«ليس من الضروري أن يتحقق الإنجاز في عهدي».. هذه العبارة التي أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ ليست مجرد دعوة إلى التواضع أو تعبيرًا أخلاقيًا، بل تمثل رؤية سياسية عميقة تعيد تعريف معنى الإنجاز في إدارة الدولة.
في العديد من دول العالم، يُقاس نجاح الحكومة بمدى قدرتها على تحقيق نتائج سريعة خلال فترة محدودة، غالبًا لا تتجاوز بضع سنوات. هذا النمط يجعل المشاريع الكبرى أسيرة الدورات الانتخابية، حيث تُقدَّم الإنجازات قصيرة الأمد على حساب التخطيط الاستراتيجي طويل المدى، وغالبًا ما تنتهي بمشاريع غير مكتملة أو سياسات تُلغى مع تغيّر الحكومات.
في المقابل، تقدّم الصين نموذجًا مختلفًا قائمًا على «الاستمرارية» بدلًا من «السرعة»، و«المسار التاريخي» بدلًا من «الإنجاز الفردي».
يتجلّى هذا النموذج بوضوح في مشروع منطقة شيونغآن الجديدة، التي تُعدّ أكثر من مجرد مدينة جديدة؛ فهي إعادة صياغة لجزء من مستقبل الصين. منذ البداية، وُضع المشروع في إطار «هندسة تاريخية»، يُقاس نجاحه ليس بسرعة الإنجاز، بل بقدرته على الاستمرار والتشكّل عبر الزمن. ومن هنا ينبع التأكيد على «الصبر التاريخي»: فمشاريع إعادة تشكيل البنية الاقتصادية والعمرانية لدولة بحجم الصين لا تُنجز في سنوات قليلة، بل تحتاج إلى تخطيط طويل النفس، وتحمّل بطء النتائج في المراحل الأولى.
وفي هذا السياق، تبرز فكرة «العمل جيلًا بعد جيل»، التي تعترف بأن أي قيادة، مهما كانت كفاءتها، لا تستطيع إنجاز كل شيء بمفردها، لكنها تؤكد ضرورة وجود نظام يضمن استمرارية التنفيذ، بحيث يبني كل جيل على ما أنجزه سابقوه، ولا يبدأ من الصفر.
هذه المسألة ليست تقنية فحسب، بل تعكس مستوى عميقًا من «قدرة الدولة على إدارة الزمن»، أي القدرة على تحويل الرؤية طويلة المدى إلى مسار مستمر لا يتأثر بالتغيّرات المرحلية. وعلى صعيد التخطيط العملي، يكشف مسار تطوير شيونغآن عن منطق واضح: البدء بالبنية التحتية، ثم شبكات النقل، ثم البناء العمراني، مع إعطاء أولوية مبكرة للبيئة والمساحات الخضراء. هذا الترتيب يعكس درسًا مهمًا من تجارب عالمية سابقة، حيث أدى التوسع السريع دون أساس متين إلى مشكلات هيكلية لاحقًا.
في الوقت نفسه، لا تسعى الصين إلى الانغلاق أو الاكتفاء بالخبرة المحلية، بل تعتمد مبدأ «رؤية عالمية، معايير دولية، وخصوصية صينية»، وهو الجمع بين أفضل الممارسات العالمية في تصميم المدن وإدارتها، والقدرة المحلية على التنفيذ طويل المدى. أي أنها ليست مجرد تقليد، بل إنتاج نموذج جديد يجمع بين الانفتاح والاستقلالية.
في النهاية، تُبرز عبارة «ليس من الضروري أن يتحقق الإنجاز في عهدي» تحولًا عميقًا في فلسفة الحكم: من السعي إلى إنجاز يُنسب إلى شخص، إلى بناء مسار يُنسب إلى أمة؛ ومن التركيز على الحاضر القريب، إلى الاستثمار في المستقبل البعيد.
ويطرح هذا النموذج سؤالًا يتجاوز الصين وحدها ليصل إلى الدول النامية: هل تُبنى الدول وفق إيقاع السياسة، أم وفق منطق التاريخ؟ والإجابة عن هذا السؤال تحدد ما إذا كانت المشاريع ستظل خططًا على الورق، أم تتحول إلى إرث حقيقي للأجيال القادمة.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة