في ظل ما يتعرض له الأردن منذ فترة، مع أشقائه في دول الخليج العربي، من أشرس عدوان سافر من إيران، كان يفترض أن يكون الموقف السياسي في الأردن، لكل التيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية، صلبًا وواضحًا، ومنحازًا دون تردد للدولة وأمنها.
لكن ما يصدر عن بعض نواب الحركة الإسلامية وبعض اليسار عبر منصاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، يقدّم نموذجًا مقلقًا لسلوك سياسي مأزوم، يفتقر إلى الحد الأدنى من الحس الوطني والقدرة على قراءة الواقع.
وتحديدًا، اختار بعض نواب الحركة الإسلامية نهجًا تصادميًا يقوم على التشكيك والتخوين، وكأن الدفاع عن الأردن أصبح تهمة، والانحياز لأمنه واستقراره صار موضع مساءلة. هذا السلوك لا يعكس فقط ضيق أفق سياسي، بل يكشف عن نزعة خطابية استعراضية تتغذى على الإثارة أكثر مما تستند إلى المسؤولية.
الدولة الأردنية اليوم تخوض معركة سياسية وأمنية مزدوجة، ما بين حماية حدودها، وفي الوقت ذاته تفكيك أي ذرائع تُستخدم لتبرير استهدافها. ومع ذلك، يخرج بعض النواب الإسلاميين بخطاب يلامس، وبشكل صادم، ذات السرديات التي تُستخدم لتبرير هذا الاستهداف. هذا ليس مجرد خطأ في التقدير، وإنما انزلاق خطير يضعف الموقف الوطني، ويمنح خصوم الأردن مادة مجانية لتبرير عدوانهم.
فبدلًا من أن يكون البرلمان جبهة دعم للدولة في لحظة حساسة، تحوّل بعض أعضائه من نواب الحركة الإسلامية إلى عبء سياسي، يربك المشهد الداخلي ويشوّش على الرواية الرسمية. الأخطر من ذلك هو الإصرار العجيب على افتعال معارك داخلية مع الشارع الأردني نفسه، الذي أظهر التفافًا واضحًا حول قيادته الهاشمية ومؤسساته الأمنية. فبدلًا من تعزيز هذا التماسك، ينشغل بعض النواب بتخوين كل صوت وطني، والتقليل من شأن كل من يعلن ببساطة «أنا مع الأردن».
أي منطق سياسي هذا الذي يحوّل الوطنية إلى تهمة؟ وأي عقلية تلك التي ترى في وحدة الصف الداخلي خطرًا يجب تفكيكه، لا رصيدًا يجب تعزيزه؟
ولعل أكثر ما يكشف حجم الأزمة هو ذلك الخطاب العبثي الذي وصل حد طرح أفكار تنطوي على استهتار صارخ بأرواح المواطنين، وكأن الأردنيين مجرد أدوات في استعراضات خطابية فارغة. في منطقة لم تتردد فيها قوى إقليمية، ومنها إيران، في التضحية بعشرات الآلاف من الأرواح في بغداد وبيروت ودمشق، يصبح التلويح بتعريض الأردنيين للخطر ذروة الانفصال عن الواقع، لا شجاعة سياسية.
وفي لحظة تتطلب وضوحًا لا لبس فيه، يصرّ نواب الحركة الإسلامية على الغموض، وعلى اللعب على الحبال، وعلى مخاطبة الشارع بخطاب مزدوج يفتقر إلى الشجاعة في إعلان موقف صريح: هل أنتم مع أمن الأردن دون شروط، أم ما زلتم تبحثون عن مساحة رمادية في قضية لا تحتمل الرمادي؟
الأردنيون اليوم لا يحتاجون خطابات عالية النبرة، بل مواقف واضحة. لا يريدون مزايدات، بل مسؤولية. ولا يقبلون أن يكون وطنهم ساحة لتجارب خطابية أو حسابات سياسية ضيقة دمّرت غزة وجنوب لبنان واليمن.
وفي هذا السياق، يصبح السؤال المشروع: كيف يمكن القبول بأن يصدر عن نواب في البرلمان خطاب قد يُفهم منه، داخليًا أو خارجيًا، أنه يضعف الموقف الرسمي للدولة أو يربك روايتها في لحظة تحتاج فيها إلى أعلى درجات التماسك؟ حرية التعبير قيمة أساسية، لكن تحويلها إلى أداة لإرباك الجبهة الداخلية أو تغذية سرديات خطرة يتجاوز حدود العمل السياسي المسؤول.
نحن نعلم أن الدولة في الأردن قوية، تتابع وترصد وتتحرك في ضوء ما يتطلبه الأمر من خطوات واتخاذ إجراءات، لكن العبث بالساحة الأردنية عبر تسجيل مواقف تضعف الصف الأردني هو تهديد واضح وقوي ومباشر وعلني للأمن الوطني الأردني، ما يستدعي اجتثاثه.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة