بين الصمت والتبرير، مواقف عربية أعادت رسم خريطة الثقة والشراكة في المنطقة..
في العدوان الإيراني الإرهابي على دول الخليج، لم تكن المفاجأة في طبيعة التهديد، بل في حجم الفراغ الذي كشفته لحظة الاختبار. سقطت ادعاءات، وارتبكت عناوين، وتعرّت منظومات كاملة كانت تتحدث طويلاً عن “التضامن” دون أن تُجيد ممارسته حين أصبح واجبًا.
في ظل هذا التصعيد، لم يكن الحدث عسكرياً فحسب، بل لحظة كاشفة لواقع العمل العربي والإسلامي. السؤال لم يعد نظرياً: أين مؤسسات يفترض أنها وُجدت أصلاً لمثل هذه اللحظات؟ وأين جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي؟ وأين الدول التي تصدّرت المشهد طويلاً بخطابات كبرى عن الأمن القومي المشترك؟
وفي هذا السياق، يطرح أنور قرقاش تساؤلاً مباشراً حول هذا الغياب، متوقفاً عند عجز مؤسسات العمل العربي والإسلامي في لحظة تتعرض فيها دول الخليج لعدوان واضح، ومؤكداً أن هذا الفراغ لا يترك مجالاً لاحقاً للحديث عن تراجع الدور العربي أو انتقاد الحضور الدولي.
اللافت أن الغياب لم يكن مجرد صمت… بل تحوّل في بعض الحالات إلى اصطفاف مبطّن، أو خطاب يخفف من وقع العدوان، وكأن المسألة خلاف سياسي عابر، لا اعتداء مباشر على سيادة دول واستقرارها. هنا تحديداً تتجلى الأزمة: حين يُعاد تعريف التهديد وفق المزاج السياسي، لا وفق الحقائق.
الأخطر أن بعض الأطراف لم تكتفِ بالتردد، بل راهنت بصمت على نتيجة مختلفة. راهنت على أن الضربة ستكون قاصمة، وأن دول الخليج ستدخل في حالة ارتباك تُعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة. هذا الرهان لم يكن بريئاً، بل يعكس خللاً عميقاً في قراءة الواقع، وربما رغبة ضمنية في رؤية مشهد مختلف، حتى لو جاء على حساب أمن المنطقة.
وفي موازاة ذلك، نشطت منصات إعلامية ونخب سياسية في ترويج سرديات تبريرية، تتقاطع بشكل مباشر أو غير مباشر مع خطاب المعتدي.
لم يكن ذلك زلة تقدير، بل سلوكاً يعكس أزمة موقف، حيث يتم تغليف الانحياز بلغة تحليلية توحي بالحياد، فيما هي في جوهرها تبرير مكشوف.
لكن ما جرى على الأرض جاء مغايراً تماماً لكل تلك الحسابات.
أظهرت دول الخليج قدرة عالية على إدارة الأزمة، ليس فقط عبر منظوماتها الدفاعية، بل أيضاً من خلال تماسكها الداخلي، وانضباط خطابها، ووضوح رسائلها. سقطت فرضية “الهشاشة” سريعاً، وتبددت سردية “الدولة التي ستنكسر”، لتحل محلها صورة دولة تعرف كيف تدير المخاطر، وتحوّل التحديات إلى عناصر قوة.
هذا التحول لم يكن داخلياً فقط، بل انعكس على المشهد الدولي، حيث برزت دول الخليج كشريك موثوق وقادر، في وقت بدا فيه بعض الإقليم متردداً أو غائباً. وهنا تتكشف مفارقة لافتة: من ينتقد الحضور الدولي، كان أول الغائبين حين طُلب منه موقف.
من الصعب بعد ذلك قبول أي خطاب يتحدث عن “تراجع الدور العربي”، دون الاعتراف بأن هذا التراجع هو نتيجة مباشرة لغياب الإرادة، لا لغياب الإمكانات. فالدور لا يُقاس بما يُقال في البيانات، بل بما يُفعل في لحظات الاختبار.
ما حدث ليس مجرد أزمة عابرة، بل لحظة فرز حقيقية.
فرزت من يقف حيث يجب أن يكون…
ومن يراقب…
ومن يبرر…
ومن ينتظر سقوط الآخرين ليعيد تموضعه.
ودول الخليج، التي كانت دائماً حاضرة في دعم محيطها العربي—سياسياً واقتصادياً وإنسانياً—لم تكن تنتظر مقابلاً، لكنها بالتأكيد لم تكن تتوقع أن يتحول الغياب إلى موقف، أو أن يُقابل الدعم التاريخي بصمتٍ بارد في لحظة تهديد مباشر.
هذه التجربة ستُعيد صياغة الكثير من المسلمات.
لن يكون ممكناً بعد اليوم التعامل مع مفاهيم “الشراكة” و”الأخوة” بذات السطحية، ولن تُبنى التحالفات على المجاملات، بل على وضوح المواقف وتطابق المصالح. المنطقة تتجه نحو مرحلة أكثر صراحة… وأقل تسامحاً مع الرماديات.
ما بعد هذه الأزمة لن يشبه ما قبلها.
المعادلات تتشكل من جديد، لكن هذه المرة بذاكرة أكثر حدة. دول الخليج، التي أثبتت قدرتها على الصمود وإدارة الأزمات بكفاءة، ستبني خياراتها القادمة على أساس واحد: من كان حاضراً حين كان الحضور واجباً.
وأقول لكم :
أولئك الذين اختاروا التردد، أو راهنوا على نتيجة خاطئة، فسيكتشفون أن السياسة لا تعاقب بالصوت… بل بالإقصاء الهادئ من دوائر التأثير.
في السياسة، كما في الحروب…
الحياد في لحظة العدوان ليس حياداً.
إنه موقف… بكل ما يحمله من تبعات.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة