ليست الفاجعة في الحروب أنها تستنزف الأرواح وتُخرِّب العمران فحسب، وإنما في إصابة الوعي الجمعي في مقتله، فتختلط الحقائق بالأوهام، وتُطمس الوقائع تحت ركام الدعاية، ويغدو الخطاب السياسي بديلاً عن الحقيقة، حتى يصبح تكرار الرواية أداةً لإضفاء الشرعية عليها.
وفي السودان، لم تعد المأساة تدور في ساحات القتال وحدها، بل امتدت إلى فضاء الخطاب العام، حيث تتقاطع الروايات، وتتزاحم الادعاءات، ويغدو البحث عن الحقيقة أكثر إلحاحًا من متابعة خرائط السيطرة العسكرية.
ولعل أخطر ما تُنتجه الحروب الطويلة أنها تُحوِّل الكلمة إلى سلاح موازٍ للبندقية، وتُغري السلطة باعتقاد أن امتلاك المنبر يكفي لامتلاك الحقيقة. غير أن الوقائع، مهما طال احتجابها، تمتلك خاصية الانعتاق من أسر الخطاب، لتفرض نفسها في النهاية بوصفها المرجعية الوحيدة التي لا تُقهر.
وفي جلسة مجلس الأمن المنعقدة في السادس والعشرين من يونيو، برزت لحظة سياسية ذات دلالة استثنائية، عندما أشار مسعد بولس إلى أن مجلس السيادة في بورتسودان رفض أحدث مقترحات الهدنة الإنسانية. ولم يكن هذا التصريح مجرد تفصيل عابر في سجال دبلوماسي، بل بدا شهادة تستحق التوقف، لأنها صدرت في منبر دولي تُوزن فيه الكلمات بميزان المسؤولية، وتُحفظ فيه الوقائع في سجلات التاريخ السياسي.
وزاد المشهد تعقيدًا ما صدر عن ممثل حكومة بورتسودان في مجلس الأمن، الذي اكتفى بالنفي، وأشار إلى تسلمه خطابًا من رئيس مجلس السيادة دون أن يتلوه أمام المجلس، وهو ما أثار، لدى كثير من المتابعين، مزيدًا من علامات الاستفهام. فالنفي، مهما ارتفع صوته، لا يتحول إلى دليل بمجرد تكراره، كما أن الخطابة، مهما بلغت فصاحتها، لا تستطيع أن تحجب الحاجة إلى الوثيقة، ولا أن تُغني عن البرهان.
وهنا يتجاوز السؤال حدود المناكفة الإعلامية إلى جوهر المعضلة السودانية نفسها؛ فمن الذي حال دون فتح نافذة، ولو ضيقة، لتخفيف معاناة المدنيين؟ ومن الذي جعل الهدنة الإنسانية، وهي في أصلها واجب أخلاقي وقانوني، موضوعًا للتجاذب السياسي؟ فالهدن لا تُقاس بمكاسب الأطراف المتحاربة، وإنما بما تمنحه للأبرياء من فرصة لالتقاط أنفاسهم وسط الخراب.
في قلب هذا المشهد، يبرز تباينٌ سياسي يستحق التأمل؛ فبينما أعلنت حكومة "تأسيس" قبولها بالمبادرات والهدن المطروحة، بل وقدمت من جانبها مبادرات لوقف إطلاق النار وتهيئة المناخ لمسارٍ سياسي، ظل الخطاب الصادر عن مجلس السيادة في بورتسودان يُقرأ، بوصفه أكثر اقترانًا بخيار الحسم العسكري واستمرار المواجهة، إذ إن الشعوب لا تحاكم القوى السياسية بما تعلنه من شعارات، بل بما تُبديه من استعداد عملي لاغتنام فرص التهدئة متى سنحت. فحين تصبح الهدنة استثناءً، والحرب هي الأصل، يغدو من المشروع التساؤل: أيُّ الإرادتين كانت أقرب إلى إنقاذ الإنسان السوداني، وأيهما جعل استمرار النزاع أولويةً تتقدم على معاناة الوطن؟
والأشد إثارة للتأمل أن الخطاب الرسمي ظل، طوال أشهر الحرب، يكرر أنه الطرف الأكثر حرصًا على وقف إطلاق النار، والأكثر استعدادًا للانخراط في الحلول السياسية. غير أن أي تعارض بين هذه الرواية وما يُطرح في المحافل الدولية يفرض مراجعة جادة، لأن المصداقية في العلاقات الدولية لا تُبنى على كثافة البيانات، وإنما على اتساق الأقوال مع الوقائع، وانسجام التصريحات مع السلوك السياسي.
إن أخطر ما قد يُصيب أي سلطة في زمن الحرب ليس تراجعها العسكري، وإنما تآكل رصيدها من الثقة. فحين تتعدد الروايات، وتتعارض الشهادات، ويغيب الإيضاح المقنع، يتزعزع اليقين العام، ويتحول الخطاب الرسمي من أداة لإدارة الأزمة إلى عنصر من عناصرها، بل ربما إلى عبء يفاقم فقدان الثقة داخليًا وخارجيًا.
وقد علمتنا تجارب التاريخ أن الحروب لا تستمد قدرتها على الاستمرار من فوهات البنادق وحدها، بل من تصلب الإرادات السياسية، وارتهان القرار لحسابات السلطة، ورفض كل فرصة يمكن أن تُفضي إلى تهدئة مؤقتة أو تسوية ممكنة. وما أكثر النزاعات التي طال أمدها لأن بعض أطرافها رأت في استمرار القتال وسيلة لتحقيق مكاسب تعجز عن بلوغها على طاولة التفاوض.
ولذلك، فإن التصريحات التي تُطلق في المنابر الدولية لا ينبغي أن تُقابل بالاستخفاف أو التخوين، لأن المؤسسات الدولية لا تُدار بمنطق التعبئة السياسية، وإنما بمنطق الوثائق ومحاضر الاجتماعات والسجلات الرسمية. ومن ثم فإن أي رواية مضادة لا تستمد قوتها من حدتها، بل من قدرتها على تقديم الأدلة التي تنقض ما قيل، وتبدد الشكوك التي أثارتها التصريحات.
لقد دفع السودانيون ثمنًا يفوق الوصف؛ مدن تحولت إلى أنقاض، وملايين اضطروا إلى النزوح واللجوء، واقتصاد يتداعى، ونسيج اجتماعي يتمزق على نحو غير مسبوق. ومن حق هؤلاء جميعًا أن يعرفوا أين تعثرت فرص السلام، ومن الذي استجاب لمبادرات التهدئة، ومن الذي رفضها، ومن الذي جعل استمرار الحرب خيارًا يتقدم على إنقاذ الإنسان السوداني.
إن الأوطان لا تُدار باحتكار الحقيقة، ولا تنهض بتقديس الخطاب الرسمي، وإنما بالشفافية والمساءلة، وبالقدرة على مواجهة الأسئلة المؤلمة قبل أن تتحول إلى حقائق دامغة. فالتاريخ لا يكتب ما قيل في المؤتمرات الصحفية، وإنما يخلد ما أثبتته الوثائق، وما سجلته المؤسسات، وما استقر في ضمير الشعوب. حتى يعلم السودانيون أين ضاعت فرص الهدنة، ومن الذي آثر استمرار الحرب على فرصة إنقاذ الوطن.
فالحقيقة قد تتأخر، لكنها لا تموت. وكلما طال احتجابها، ازدادت كلفة إنكارها، واتسعت الهوة بين من يخفيها ومواطنيه، وبين الخطاب والواقع. ولا سبيل إلى تجاوز ذلك إلا بالاحتكام إلى الوقائع، وبجعل حياة الإنسان السوداني القيمة العليا التي تسمو على كل رهان سلطوي، وكل حساب عسكري، وكل مكسب سياسي عابر.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة