لا تكشف المعارك حقيقة الدول بقدر ما تكشف حقيقة من يختار خوضها.
فحين تتحول دولة إلى محورٍ دائم للمتابعة، ومادةٍ لا تنقطع للتأويل والتشكيك، يصبح السؤال أقل ارتباطًا بها، وأكثر ارتباطًا بمن جعلها شاغله اليومي. فالأمم، كما الأفراد، تُعرَف أحيانًا بما تنشغل به أكثر مما تُعرَف بما تقوله عن نفسها.
وليس من قبيل المصادفة أن يصبح الانشغال بالآخر مؤشرًا يلفت انتباه علماء النفس والاجتماع على السواء. فالوعي الذي يفقد بوصلته نحو البناء يبحث، في الغالب، عن موضوع آخر يملأ به فراغه. وما يبدأ فضولًا قد يتحول، مع مرور الوقت، إلى اعتياد، ثم إلى انشغال يستنزف الطاقة دون أن يصنع إنجازًا.
لهذا، نادرًا ما يكون الهجوم المتواصل دليلًا على القوة. فالقوة الواثقة لا تحتاج إلى مراقبة الآخرين باستمرار، أما القلق فيفعل ذلك على الدوام. وما أكثر المجتمعات التي استنزفت أعوامًا طويلة في متابعة غيرها، بينما كانت تتأخر عن مواجهة أسئلتها الداخلية الأكثر إلحاحًا.
ويزداد هذا المشهد تعقيدًا في العصر الرقمي؛ إذ لا تنتقل الأفكار فحسب، بل تنتقل الانفعالات أيضًا. وتمتلك الرسائل المتكررة قدرةً لافتة على صناعة قناعات تبدو، مع كثرة تداولها، وكأنها حقائق مستقرة. وهكذا يجد بعض الأفراد أنفسهم يعيدون إنتاج خطاب لم يشاركوا في صناعته، ويخوضون معارك لم يختاروها، مقتنعين بأنهم يمارسون استقلالهم الفكري، بينما يتحركون داخل مسارات رسمها غيرهم.
ولا تقف المسألة عند حدود الأفراد، بل تمتد إلى الخطاب السياسي والإعلامي. فحين يعجز البعض عن تقديم مشروع يُقنع الناس، يصبح الانشغال بمشروع الآخرين البديل الأسهل. ويتحول النجاح الخارجي إلى شماعة تُعلَّق عليها الإخفاقات، ويصبح الخصم تفسيرًا جاهزًا لكل ما تعجز السياسات عن تفسيره.
وليس هذا النمط حكرًا على الأفراد أو الخطابات الإعلامية؛ فالدول أيضًا قد تتحول إلى موضوع دائم لانشغال خصومها. ومن هنا يمكن قراءة جانبٍ من الحملات التي تستهدف الإمارات. فالدول التي تتحرك بثقة، وتبني شراكاتها، وتوسع حضورها الاقتصادي والسياسي والثقافي، تصبح، بطبيعتها، أكثر حضورًا في النقاش العام. وذلك ثمنٌ طبيعي تدفعه الدول المؤثرة، لا لأنها تبحث عن الأضواء، بل لأن أثرها يتجاوز حدودها.
غير أن اللافت في التجربة الإماراتية لم يكن كثرة ما يُقال عنها، بل انشغالها بما تصنعه أكثر مما يُقال عنها.
فإدارة الدول لا تُقاس بسرعة الردود، بل بحسن ترتيب الأولويات. والسياسة ليست فنَّ الإجابة عن كل صوت مرتفع، وإنما فنُّ التمييز بين ما يستحق الاستجابة وما لا يستحق سوى التجاوز.
ولهذا، كثيرًا ما جاء الرد الإماراتي بالفعل لا بالجدال؛ في مشروع جديد، أو شراكة استراتيجية، أو مبادرة إنسانية، أو إنجاز علمي. فالمنجز يمتلك لغةً أبقى من الخطابات، والوقائع أكثر قدرة على الإقناع من المجادلات.
ولا يعني ذلك أن النقد مرفوض، أو أن الاختلاف غير مشروع؛ فالنقد الرصين ضرورة لكل تجربة ناجحة. لكن الفارق كبير بين نقدٍ يبحث عن الحقيقة، وحملةٍ تبدأ بالنتيجة قبل أن تبحث عن الدليل.
ويبقى المثل العربي القديم من أبلغ ما قيل في إدارة القوة:
«الرمح غالٍ… والفريسة ذبابة.»
فليست الحكمة في امتلاك الرمح، بل في معرفة متى يُرفع، ولأي غاية. أما الدول التي تعرف قيمة مشروعها، فلا تسمح للصغائر أن تملي عليها أولوياتها، ولا تجعل الضجيج شريكًا في صناعة قرارها.
والمفارقة أن من يقضي يومه في مراقبة الآخرين يمنحهم، من حيث لا يشعر، مساحةً أكبر في وعيه مما يمنحها لمستقبله. وحين يصبح نجاح الآخرين خبرًا يوميًا يشغل التفكير، فالمشكلة لا تكون في نجاحهم، بل في جدول أعمال من يراقبهم.
فمن يعرف وجهته، لا يستهلك عمره في مراقبة الطرق التي يسلكها الآخرون.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة