من الظلم الحكم على نجاح تجربة مجلس التعاون الخليجي أو فشلها من خلال معيار واحد؛ لكن يبقى المعيار الأمني لاستقرار هذه الدول الست هو الأكثر جدية.
وأهمية المعيار الأمني ليس فقط من منطلق أن قيام هذا المجلس في مايو/أيار 1981 كان لسبب أمني وتحديداً تداعيات الحرب العراقية-الإيرانية على هذه الدول، وإنما الأكثر أهمية أن التجربة التنموية لهذه الدول تحتاج إلى ذراع عسكري ليحمي مكتسباتها، ويدافع عن سيادتها فالمتربصون بها كُثر.
لهذا ينبغي أن يكون التركيز الأساسي في الحكم على هذه التجربة الوحدوية حول مدى استجابة الدول الست مكتملة في مواجهة أي تهديد عليها، سواء كانت هذه الاستجابة على مستوى الإجماع الخليجي سياسيا في مواجهة التهديد من خلال المواقف والبيانات الجادة باعتبارها الأداة الأسهل ولكنها تحفظ حقوقها في المنظمات الدولية، أو عسكرياً بامتلاك القوة المناسبة وكذلك والإرادة في استخدامهما كردع لكل من لديه نوايا سيئة لهذه الدول، كما يفعل الآن النظام الإيراني.
لم يكن العدوان الذي نفذه النظام الإيراني على الدول الخليجية هو أول تحدِ حقيقي يواجهه هذا المجلس، فقد سبقه احتلال العراق لدولة الكويت عام 1990، ولكنه أثبت تماسكه في مواجهة هذا الاحتلال وعمل على تحرير الكويت باعتبار أن التهديد وفق العمل الخليجي يمس "الأمن الجماعي" لها.
استثمرت دول المجلس من تجربة احتلال الكويت في التفكير من أجل الاستعداد العسكري لأي تحديات أخرى قد يواجهها مستقبلاً فجاءت فكرة تأسيس جيش خليجي موحدة في عام 1991 وعرف وقتها (ناتو خليجي) وقد كُلف يومها السلطان قابوس بن سعيد آل سعيد رحمه الله بوضع تصوره للجيش ولكن لم تكتمل الفكرة.
كما استثمر المجلس هذا الظرف من خلال تعزيز وزيادة المشاريع الوحدوية الخليجية وإن كانت تلك المشاريع لم تصل إلى ما يطمح له أبناء الخليج الذين يؤمنون بهذه التجمع، ولكن بالمجمل هناك عمل خليجي تكاملي لا يمكن أنكاره أو التجاوز عليه.
العدوان الإيراني الحالي هو التحدي الأكبر من ناحيتين؛ الناحية الأولى: أنه اعتدى على جميع دول المجلس فلم تسلم دولة واحدة منه مع أنها ليست عدوة إيران الأول أو هكذا كنا نعتقد حتى قبل العدوان لأن 81% من صواريخ إيران والمسيرات كانت نصيب دول المجلس وبالأخص دولة الإمارات التي كانت الأكثر استهدافاً في حين عدوها الأساسي أو هكذا يفترض ومن استهدفها وهي إسرائيل تلقت 19% من تلك الصواريخ.
ومن الناحية الثانية فهذا التحدي الأكبر من كونه تسبب في وجود تباينات خليجية في إدارة هذه الأزمة، فهناك فريق خليجي يدعو إلى احتواء النظام الإيراني وعدم التصعيد معه في اعتداءاته من منطلق منحه فرصة لضبط القيادة في الداخل الإيراني بعد حالة الارتباك لاغتيال معظم قادته في الضربة الأولى للهجوم الأمريكي الإسرائيلي.
وهناك فريق خليجي آخر يرى أنه لا بد من وضع حد للعدوان الإيراني لأنه نظام لا يعرف غير منطق القوة، وعملياً فإن تركه سيكون سبباً في التمادي ويبدو أن وجهة النظر هذه هي الأقرب للصح.
استمر هذا الوضع لحين وصلت الأمور إلى توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني بواسطة باكستانية وقطرية، وتبين بعدها ومباشرة أن النوايا الإيرانية في المنطقة لم تتغير بل تعمل على توريط بعض دولها مثل سلطنة عمان التي كانت من دعاة "الاحتواء" لدرجة أعلن الحرس الثوري رفضه استخدام المسار العماني في حركة السفن الذي تم الاتفاق عليه في القمة الخليجية التي عقدت في مملكة البحرين بحضور وزير الخارجية الأمريكي السيد ماركو روبيو يوم الخميس الماضي.
تركيبة النظام الإيراني تشير إلى أنه من الصعب تغير سلوكه القائم على النعرة الفوقية لجواره الجغرافي وتستطيع ملاحظة هذا ليس فقط من خلال تصريحات مسئوليه ولكن حتى المحللين السياسيين الإيرانيين المنتشرين في القنوات العربية فهم لا يعترفون بأخطائهم بل يكابرون في تبرير العدوان بطريقة فجة.
ما أريد أن أصل إليه، أن جوهر العمل في أي نظام إقليمي هو فعالية آليات العمل للأمن الجماعي، وعندما تفشل الدول الأعضاء في تحديد أولوياتها، ومجاهدة النفس بالقدر الذي تستطيع تحقيق أمنها الجماعي فإن الدول الخارجية لابد أن تقفز عليها لتحقيق مصالحها. ويكفي هنا للدلالة ما فعله النظام الإيراني من تدخلات في النظام العربي في لبنان والعراق وسوريا، كما حاول هذا النظام فعل الشيء نفسه خلال هذه الحرب عندما كان يفسر المواقف الخليجية المرنة معه باعتبارها رفضاً لسياسات الدول الخليجية الأخرى المتشددة معه.
لا مجال لدول مجلس التعاون الخليجي وفق التجارب الأمنية التي تعرضت لها على مدى العقود الماضية أن تعمل كأطراف مستقلة مع القوى الإقليمية والدولية وخاصة نظام بفكر النظام الإيراني الذي لا يرى في هذه الدولة بأنها متكافئة معه، فما حدث منذ فبراير/شباط الماضي وارد تكراره في المستقبل وبالتالي لا بد من العمل مع بعض.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة