مع هوية "جِنِي" تتداخل الأزمنة، ويخرج منها صوتٌ يربك حدود الواقع والخيال لتأخذنا رواية "صورة جِنِي" إلى سؤالٍ لا يهدأ: هل نعيش الزمن، أم أن الزمن هو من يعيشنا؟ ماذا لو انقلب المستقبل إلى ماضٍ، واستُعيدت الذاكرة بوصفها واقعًا من جديد؟
في هذا التوتر بين الحب والإبداع والفقد، وبين القدر والحرية، يولد معنى آخر للوجود.. معنى لا يُقرأ، بل يُكتشف.
في إطار الحملة المجتمعية لدعم القراءة المستدامة التي أطلقها مركز أبوظبي للغة العربية لتعزيز الهوية الوطنية بما يسهم في تعزيز الوعي الثقافي والتشجيع على الانخراط في أنشطة القراءة، التي تتمازج فيها المعرفة والبناء النفسي والاجتماعي، جاءت رحلتي مع رواية «صورة جِنِي» Portrait of Jennie، من مشروع كلمة للترجمة، فقد أعادت طرح أسئلة الإنسان الكبرى حول الزمن والوجود والحب والإبداع والفَقْد والمستقبل.
ليست كل الروايات تُقرأ لمجرد تتبّع أحداثها أو الوصول إلى نهايتها، فبعضها يتجاوز حدود الحكاية ليصبح تجربةً فكرية تعيد تشكيل نظرتنا إلى الحياة نفسها.
ومن بين هذه الأعمال تبرز رواية «صورة جِنِي» للأديب روبرت نيثَن، ترجمة د. موسى الحالول؛ فهي رواية مفتوحة ومتعددة التفسيرات وغير حاسمة، ومن جمالها أنها تحوّل القارئ إلى شريك في إنتاج المعنى والتأويل، وتجعل كل تفسير ممكنًا، وفي الوقت نفسه يبقى كل تفسير ناقصًا.
ومن خلال قراءتي وتفاعلي مع هذه الرائعة الأدبية، بنيت شبكةً رمزية تتكوّن من: الزمن، والماضي، والمستقبل، والفقد والفناء، والإبداع، والفن، والطفولة، والنهاية الحتمية: الموت.
دفعتني الرواية بكل سلاسة في نصها وبلاغتها وتصويرها إلى إعادة التفكير في علاقتنا بالزمن، والحب، والفَقد، والإبداع، وفي السؤال الأزلي: هل نعيش حياتنا بحرية كاملة، أم أننا نؤدي أدوارًا مكتوبة مسبقًا على مسرح الحياة؟
الزمن بين الماضي والمستقبل
أكثر ما يثيره النص هو اضطراب الإحساس بالزمن؛ فهو متداخل بين الحاضر والمستقبل والماضي. فالماضي لا يبدو منتهيًا، إذ تُستدعى الذاكرة إلى الحاضر، بينما لا يبدو المستقبل مجهولًا بالكامل، بل يسود شعور بأن الخط الفاصل بين الأزمنة غير ثابت.
هذا النوع من السرد يجعل القارئ يتساءل: هل الزمن تجربة نعيشها ونحاول من خلالها التحكم في حياتنا، ونصنع أقدارنا، أم أن بنية الزمن تتحكم فينا دون أن ندرك؟ وماذا لو تداخل الحاضر بالماضي، واستُدعيت الذاكرة إلى الواقع؟ وماذا لو أصبح المستقبل ماضيًا معلومًا سلفًا؟
من هنا تنشأ فكرة القدر: هل حياتنا سلسلة من اختيارات حرة، أم أن ما نراه اختيارًا ليس إلا مسارًا مرسومًا مسبقًا نكتشفه أثناء العيش؟ وما تزال هذه معضلةً تتجادل حولها الفلسفات والآراء المختلفة بين الجبرية والقدرية.
الحب صِنْوُ الحياة
داخل هذا الغموض الزمني، وبين الذاكرة وتحوّل المستقبل إلى ماضٍ، يظهر الحب ليس بوصفه عاطفة فحسب، بل قوةً تمنح العالم معناه وتخلق الإبداع. فالحب في الرواية ليس حدثًا عابرًا، بل تجربة تكشف هشاشة الزمن نفسه، وكأن الإنسان لا يفهم وجوده إلا عبر علاقته بالآخر، فالروح لا يؤنسها إلا روحٌ تألفها.
ويمكن النظر إلى "خيال الحب" هنا بوصفه رمزاً للحياة ذاتها والإبداع؛ فالحياة من دون تعلق أو شغف تتحول إلى زمنٍ فارغ لا معنى له. ومن هذا الأفق يتداخل الحب مع سؤال القدر: هل يمكن للحب أن يصمد أمام ما هو مكتوب سلفًا؟ وأستحضر هنا أحب لعبة لدى "الفتاة جِنِي"، وهي التمنّي، بوصفها لعبًا مع القدر المحتوم، حين تقول: «ليتكَ تنتظرني حتى أكبر، لكن هيهات، أليس كذلك؟». يمكن النظر إلى هذه العبارة بوصفها صرخة زمنٍ معلّق بين الرغبة والاستحالة، بين ما نريده وما يفرضه القدر. كما تتردد عبارة الوداع المحتوم: «يا حَبَّة القلب: في وداعٍ محتوم ومقدّر»، لتعمّق الإحساس بأن الحب نفسه محكوم بوعي الفقد منذ بدايته.
وفي هذا السياق، تقودني هذه المعاني إلى صوت الشاعرة العراقية الراحلة "لميعة عباس عمارة"، حين تقول:
ستمضي، فهل لي أن أتبعكْ؟
فقلبي، وشعري، وعمري سدىً
إذا لم أمتّعْ بعيشي معكْ..
ويتحول الحب هنا إلى سؤال وجودي أمام الفقد، وإلى إدراك بأن الزمن قد لا يمنح الاستمرار لأي علاقة مهما بلغت كثافتها العاطفية. كما يحضر معنى التقدير المسبق للمصير بوصفه وعيًا مؤلمًا لا يغيّر النتيجة بقدر ما يخفف وقعها، وكأن معرفة القدر لا تنقذ الإنسان من الفَقد، لكنها تمنحه إدراكًا أكثر حدّة.
فصورة الحب في الرواية، بما تحمله من خيال وارتباط بمعرفة المصير واستدعاء الذاكرة، تخلط بين الماضي والحاضر، وتحوّل المستقبل إلى ما يشبه الماضي لأنه أصبح معلومًا لا مفر منه، في بناء سردي يجعل الحب تجربةً في أزمنة متداخلة، لا في زمن مستقيم.
الوهم والمخيال
ونعود لنقول إن هذا الحب، وربما هذه المحبوبة نفسها، قد يكونان من صنع مخيال الرسام تحت وطأة الحرمان والفقر والوحدة في فترة الركود الاقتصادي؛ لذا يمكن قراءة "هوية جِنِي" بوصفها صورةً خلقها المخيال الفني، حيث يتحول الحب إلى فعل من أفعال الإبداع بقدر ما هو تجربة عاطفية.
ولنا أن نستحضر ما صورته الشاعرة لميعة في أبياتها من الوحدة والتخيّل:
من غرفتي… عفوًا، فليست غرفتي بل محبسي
أرقب من شباكها الأحياء ملء الشاطئ المشمسِ
عيدٌ لكلِّ اثنينِ في مثل جموحِ الفَرَسِ
مجردين غير خيطين بقايا ملبسِ
من غرفتي أحكي عن الحب أنا
وعن هوىً لم ألمسِ
كفيلسوفٍ يصف الخمر التي لم يحتسِ
الزهور والإنسان والمصنع: رمزية المركز والجمال والمنفعة
في أحد مستويات التأمل الرمزي، يمكن قراءة معرض اللوحات الفنية، وما شهده من تفضيل بين رسم الزهور، وبين صورة الإنسان، بأن لوحات الزهور ترمز إلى الجمال واستمرارية الطبيعة، بينما ترمز صور الإنسان إلى كونه المركز الحقيقي للتجربة الوجودية. فالإنسان ليس مجرد جزء من الطبيعة، بل هو الكائن الذي يمنحها معنى الوجود من خلال الوعي والإدراك والتجربة والتعامل وصناعة المستقبل.
وفي هذا السياق الفكري التأملي، يمكن النظر إلى لوحة المصنع بوصفها مثالًا يتجاوز معيار الجمال التقليدي؛ فهي لا تستمد قيمتها من جمالها البصري، بل من دلالتها على المنفعة والإنتاج. فالمصنع، رغم خلوّه من العناصر الجمالية الطبيعية، يظل حاضرًا بوصفه بنية منظمة تعكس قوة الفعل الإنساني وقدرته على تحويل المادة إلى قيمة وظيفية. وهكذا لا يكون التلقي قائمًا على الإحساس الجمالي المباشر، بل على القيمة الذهنية التي تنشأ من إدراك معنى النظام والعمل والإنتاج. ومن هذا المنظور، يتحول المصنع إلى رمز للمنفعة بوصفها بعدًا أساسيًا من أبعاد الحياة، لا يقل حضورًا عن الجمال الطبيعي، بل يجاوره في تشكيل تجربة الإنسان مع التطور.
وقد تملّكني شعور بتأزمٍ عاطفي بين الجمال الطبيعي والزمن والإنسان والمنفعة؛ فالطبيعة تستمر في تغيراتها عبر ناموسها، لكن الإنسان هو صاحب القدرة العالية في الإدراك والتغيير، كما تمثل المنفعة جانبًا آخر من جوانب الحياة واستمرارها وتطورها.
الطفولة ودورة الحياة الكاملة
تذكّرنا الرواية بأن الحياة ليست لحظة واحدة، بل رحلة كاملة بين الطفولة والشباب والكبر. فالطفولة ليست مرحلة ناقصة، بل بداية نقية للدهشة حول الحياة والوجود، والنمو والكبر ليسا نهاية، بل امتداد لتجربة الفهم. وهذا يعني أن الإدراك هو الامتداد الذي يجعل الحياة أكثر اتساعًا، ويمنح الإنسان قدرة على تقبل التحول، لا مقاومة الزمن والقدر، بل التعايش معه.
لا أضع لهذه المقالة خاتمةً حاسمة، لأن الرواية نفسها ترفض الحسم، وتبقى مفتوحةً على التأويل والاحتمالات وتعدّد القراءات. وما قدّمته هنا ليس سوى قراءةٍ شخصية لأحد وجوهها الممكنة، إذ تتحول القراءة في هذه الرواية من تلقٍّ إلى مشاركة فاعلة في إنتاج المعنى وتتبع الدلالة، فيغدو كل تفسيرٍ ممكنًا، لكنه يظل غير مكتمل.
فتتجلّى جِنِي بوصفها رمزًا يتجاوز حدود الشخصية الروائية؛ فهي صورةٌ للحب والإلهام والذاكرة، وكيانٌ يربك الزمن ويجعل الماضي والمستقبل يتداخلان في لحظةٍ إنسانية واحدة. ومن هنا تبقى الرواية دعوةً مفتوحةً للتأمل في أسئلة الوجود الكبرى: الحب، والإبداع، والفَقد، والزمن، والقدر.
ولعل القيمة الحقيقية لهذه الرواية أنها لا تغادر القارئ بانتهاء صفحاتها، بل تَغرِسُ وتَزرَعُ في ذاكِرَتِهِ أسئلةً وتأمّلاتٍ مثمرةً، وتدعوه إلى إعادة النظر في حياته وعلاقته بالزمن والآخرين، وفي قدرته على بناء عالمٍ نفسي وإدراكي أكثر عمقًا وجمالًا وتقبّلًا.
وهكذا لا تنتهي «جِنِي» عند الصفحة الأخيرة، بل تبدأ رحلتها الحقيقية في ذاكرة القارئ، حيث يبقى أثرها حيًّا، ويظل سؤالها مفتوحًا: هل نعيش الزمن، أم أن الزمن هو من يعيشنا؟
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة