لم يكن قرار الولايات المتحدة، الذي أعلنه وزير الخارجية ماركو روبيو في 9 مارس/آذار 2026، بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين السودانية كيانًا إرهابيًا عالميًا ذا تصنيف خاص، مجرد خطوة قانونية أو إجراء دبلوماسي عابر.
بل جاء تتويجًا لمسار طويل من العنف السياسي والأيديولوجي الذي مارسته الحركة الإسلامية السودانية لعقود، والذي ترك آثارًا كارثية على السودان والمنطقة بأسرها.
هذا التصنيف يكشف حقيقة ظلت واضحة لكثير من السودانيين منذ سنوات، أن الجماعة التي حكمت السودان تحت شعارات دينية لم تكن سوى شبكة أيديولوجية وسياسية استخدمت الدولة والسلاح لخدمة مشروعها العقائدي، حتى لو كان الثمن تمزيق البلاد وإغراقها في الحروب الأهلية.
تشير المعطيات الأمريكية إلى أن جماعة الإخوان المسلمين السودانية، التي تضم الحركة الإسلامية وجناحها المسلح المعروف باسم لواء البراء بن مالك، شاركت بأكثر من عشرين ألف مقاتل في الحرب الدائرة في السودان. وقد نفذ مقاتلوها عمليات إعدام جماعية للمدنيين في المناطق التي سيطروا عليها، إضافة إلى إعدامات ميدانية استهدفت مدنيين على أساس العرق أو الانتماء القبلي أو الاشتباه في دعم المعارضة.
هذه الممارسات ليست استثناءً في تاريخ الحركة الإسلامية في السودان، بل امتداد طبيعي لعقود من السياسات القائمة على الإقصاء الأيديولوجي والعنصري. فمنذ انقلاب عام 1989 الذي أوصل الإسلاميين إلى السلطة بقيادة الجبهة الإسلامية القومية، بدأ السودان يدخل تدريجيًا في دائرة صراعات دموية غذتها سياسات التمييز الديني والعرقي.
في جنوب السودان، وفي دارفور، وفي جبال النوبة، شهد العالم فصولًا مأساوية من العنف الجماعي الذي ارتبط بسياسات النظام الإسلامي الحاكم آنذاك. وقد اتهمت منظمات دولية عديدة ذلك النظام بارتكاب جرائم واسعة النطاق ضد المدنيين، كان جوهرها مشروعًا أيديولوجيًا يقوم على فرض رؤية سياسية ودينية بالقوة.
غير أن أخطر ما في هذه التجربة لم يكن العنف الداخلي وحده، بل التحالف الخارجي الذي عززها.
فخلال تسعينيات القرن الماضي، وجدت الحركة الإسلامية السودانية في إيران حليفًا استراتيجيًا يشاركها الرؤية الأيديولوجية ذاتها. وعلى الرغم من الاختلاف المذهبي بين الإسلام السياسي السني في السودان والنظام الشيعي في طهران، فإن الطرفين التقيا عند فكرة مشتركة، بناء محور سياسي وعسكري يتحدى النظام الدولي ويعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة.
في هذا السياق، تحولت الخرطوم خلال تلك الفترة إلى منصة إقليمية للحركات الإسلامية المتشددة. فقد استضافت قيادات تنظيمات مختلفة، أبرزها زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن ، إضافة إلى عناصر من حركات متطرفة أخرى.
وفي الوقت ذاته، تطور التعاون بين السودان وإيران ليشمل مجالات عسكرية وأمنية واسعة. فقد أُنشئت مصانع للصناعات الدفاعية بدعم تقني إيراني، وتلقى ضباط سودانيون تدريبات لدى الحرس الثوري الإيراني. كما لعب السودان دورًا في شبكة إقليمية لنقل السلاح ودعم حركات مسلحة في مناطق مختلفة من الشرق الأوسط وأفريقيا.
كان الهدف الإيراني واضحًا، استخدام السودان بوابة استراتيجية نحو البحر الأحمر والقرن الأفريقي. أما بالنسبة للحركة الإسلامية السودانية، فقد شكل هذا التحالف وسيلة لتعزيز قبضتها على السلطة وتطوير قدراتها العسكرية في مواجهة خصومها الداخليين.
لكن هذه الشراكة لم تكن مجرد تحالف سياسي؛ بل أصبحت جزءًا من بنية النظام نفسه. فالعلاقة بين الطرفين لم تقم على المصالح الجيوسياسية فقط، بل على تقاطع أيديولوجي عميق يرى في العنف السياسي وسيلة مشروعة لفرض مشروعه العقائدي.
ومع اندلاع الحرب الجديدة في السودان عام 2023، عادت هذه الشبكات إلى الظهور مجددًا. وتشير التقارير إلى أن العديد من المقاتلين المرتبطين بالحركة الإسلامية تلقوا تدريبات أو دعمًا من الحرس الثوري الإيراني، وهو ما أعاد إلى الواجهة المخاوف القديمة من تحول السودان إلى ساحة نفوذ إيرانية في البحر الأحمر.
قرار واشنطن بتصنيف الجماعة إرهابية، وفرض عقوبات عليها بموجب الأوامر التنفيذية الخاصة بمكافحة الإرهاب، يهدف إلى عزلها ماليًا وسياسيًا وحرمانها من الوصول إلى النظام المالي الدولي. كما يشمل تجميد أصولها ومنع التعامل معها، إضافة إلى إمكانية فرض عقوبات ثانوية على أي جهة تتعاون معها.
لكن الأهمية الحقيقية لهذا القرار لا تكمن فقط في العقوبات، بل في الرسالة السياسية التي يحملها، أن المشروع الذي قاد السودان لعقود تحت راية الإسلام السياسي لم يعد يُنظر إليه كحركة سياسية، بل كشبكة عنف أيديولوجي تهدد الاستقرار الإقليمي.
لقد دفع السودان ثمنًا باهظًا لهذه التجربة. فالدولة التي كانت يومًا جسرًا بين العالم العربي وأفريقيا تحولت إلى ساحة صراعات داخلية وتحالفات مشبوهة.
واليوم، مع انكشاف هذا التحالف بين الإسلام السياسي السوداني والنفوذ الإيراني، يواجه السودان لحظة مراجعة تاريخية.
فالقضية لم تعد مجرد صراع على السلطة، بل صراع على طبيعة الدولة نفسها،
هل تبقى رهينة لمشروع أيديولوجي عابر للحدود، أم تعود دولة وطنية تسعى إلى السلام والاستقرار؟
الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط مستقبل السودان، بل مستقبل التوازنات في البحر الأحمر والقرن الأفريقي بأكمله.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة