ليست مكانة الدول في النظامين الإقليمي والدولي رهينةً باتساع الجغرافيا، أو عدد السكان، أو ضخامة الترسانات العسكرية فحسب، بل تُقاس بعمق الرؤية الاستراتيجية، وحكمة القيادة، وتنمية القدرات، وقراءة وإدراك التحولات وصناعة الاستقرار وتقديم المساعي الحميدة.
وفي هذا السياق، برزت دولة الإمارات العربية المتحدة قوةً فاعلة ومؤثرة في النظام الإقليمي العربي، مستندة إلى نهجٍ راسخ أسسه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وقائم على الحكمة والاعتدال، والانحياز للإنسان، والاستقرار والتنمية.
وقد واصلت القيادة الإماراتية هذا النهج بثبات وتطوير تحت قيادة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، الذي نقل رؤية المؤسس من مرحلة التأسيس والبناء والتنمية إلى مرحلة التمكين والقوة والاستشراف، جامعًا بين الصلابة السياسية والمرونة الدبلوماسية، وبين بناء القوة الوطنية وتعزيز الشراكات الإقليمية والدولية.
ومن هذا المنطلق، لم تكن أدوار الإمارات في قضايا الوطن العربي مواقف عابرة أو استجابات ظرفية، بل سياسة متكاملة نابعة من الهوية العربية والخليجية والتعاون الدولي، ترى في استقرار المنطقة شرطًا أساسيًا للتنمية والأمن المشترك.
تعددت قضايا الوطن العربي، وكانت الإمارات على الدوام حاضرة فيها، مبادرة ومشاركة بفاعلية ومسؤولية، وفي مقدمة هذه القضايا، القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي؛ إذ يدرك الجميع البعد السياسي والأمني لمشاركة الإمارات في حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، حين قدمت دعمًا سياسيًا واقتصاديًا لمصر والدول العربية.
وقد اعتبرت القيادة الإماراتية القضية الفلسطينية قضيةً عربية وإسلامية عادلة، ورأت أن الموقف الصارم آنذاك واجب قومي في مواجهة من وقفوا ضد الحقوق العربية.
ولا تزال الإمارات متمسكة بالحق الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، وتواصل دعمها السياسي والإنساني للشعب الفلسطيني؛ إذ شكلت مساهماتها أكثر من 40% من إجمالي المساعدات الدولية المقدمة إلى قطاع غزة منذ اندلاع حرب 2023، ما جعلها من أكبر الداعمين الإنسانيين على المستوى الدولي، وما زالت تسعى للسلام وقيام دولة فلسطينية.
وفي إطار أمن الخليج العربي، أسهمت الإمارات في دعم استقرار سلطنة عُمان والخليج خلال أحداث ثورة ظفار، ومواجهة المد الشيوعي واليساري في المنطقة. كما بلورت السياسة الإماراتية مفهوم أمن الخليج المشترك، الذي تجسد لاحقًا في المساهمة ودعم تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية، حيث حرصت الإمارات دائمًا على إدارة الخلافات الخليجية بحكمة، بما يعزز الاستقرار ويرفع مستويات الأمن الإقليمي.
وعندما جُمِّدت عضوية مصر في جامعة الدول العربية عقب اتفاقية كامب ديفيد، كان الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، من أوائل القادة العرب الذين دعوا إلى عودة مصر إلى محيطها العربي، إيمانًا بدورها المحوري في النظام العربي.
أما خلال أزمة احتلال الكويت وما أعقبها من انقسام عربي وتدخل دولي، فقد كانت القيادة الإماراتية من أوائل من سعوا إلى تحرير الكويت بالمشاركة العسكرية وتحمل تكاليف الحرب المالية مع الشقيقة المملكة العربية السعودية ودولة الكويت، ثم سعت إلى تجاوز الخلافات وترميم الصف الخليجي والعربي، حفاظًا على وحدة الموقف والمصير.
إن الدول الأكثر فاعلية في النظام الإقليمي العربي هي تلك التي تسعى إلى الاستقرار والتنمية وتحقيق الأمن المشترك. وقد أثبتت الإمارات قدرتها على الإسهام في إعادة الاستقرار العربي، ومنع تسليم مستقبل المنطقة لدعاة التطرف والفوضى، الذين يغرقون شعوبهم في الصراعات ويقوضون فرص التنمية.
وخلال أحداث ما عُرف بالربيع العربي، شاركت أبوظبي في دعم الأمن السياسي والعسكري، وحماية استقرار عدد من الدول العربية، من بينها مملكة البحرين، وأسهمت في الحد من تداعيات الفوضى والانهيار. علاوة على ذلك، تعد أبوظبي أهم داعمي التنمية والاستثمار في الأقطار العربية.
وفي اليمن، شاركت الإمارات إلى جانب المملكة العربية السعودية قبل عملية عاصفة الحزم عام 2015 وخلالها، وقدمت دعمًا عسكريًا واستشاريًا ولوجستيًا، ثم واصلت دعم الشرعية اليمنية خلال العمليات العسكرية التي انطلقت في 26 مارس/آذار 2015.
وإلى جانب ذلك، سجلت الإمارات حضورًا إنسانيًا واقتصاديًا بارزًا، إذ تجاوزت مساعداتها خمس مليارات دولار خلال الفترة من 2015 إلى 2018، فضلًا عن تقديم التضحيات والشهداء دفاعًا عن استقرار اليمن والمنطقة.
وعلى الصعيدين الإقليمي والدولي، اتسمت السياسة الإماراتية بالحكمة والاتزان في التعامل مع إيران، من خلال التأكيد على الحلول السلمية والحوار في تسوية النزاعات. كما تسعى الإمارات إلى دعم عودة العراق دولةً عربيةً فاعلةً، تتجاوز الانقسامات المذهبية، وتستعيد دورها الطبيعي في التنمية والمشاركة الإيجابية ضمن محيطها العربي والدولي.
وإذا كانت الدول الكبرى تتميز بثقلها الصناعي والاقتصادي، فإن الإمارات باتت نموذجًا عربيًا رائدًا في السياسات العامة الشاملة، التي تمس التعليم والصحة والبيئة وتوزيع الدخل وتطوير الاقتصاد، مع اهتمام واضح بمستقبل الأجيال القادمة ومستويات جودة الحياة. كما تُعد الإمارات الدولة العربية الأولى في مجال الطاقة النووية السلمية، ومركزًا متقدمًا في الذكاء الاصطناعي، حيث تجيد قراءة التحولات الدولية في التكنولوجيا والابتكار، وتوظفها في تعزيز التنمية وترسيخ المكانة الإقليمية والدولية، ناهيك عن كونها محطة تجارية واستثمارية دولية، تسعى جاهدةً إلى تأمين طرق التجارة، بما يجعلها ركيزة أساسية في أمن واستقرار الوطن العربي.
وتمتلك الإمارات صناعات واستثمارات قوية، وشبكة علاقات ثقافية وحضارية متينة، وتُعرف بدعمها لقضايا الإنسان والتنمية، ومكافحة الفقر والمرض، والاستجابة السريعة للأزمات والكوارث، ما جعلها قوةً ناعمةً فاعلة في الوطن العربي، تحظى بتقدير المجتمع الدولي، وتُعد نموذجًا يُحتذى به في الابتكار والاستشراف الاستراتيجي.
إن ما سبق يمثل جانبًا من دور الإمارات ومكانتها على المستويين الخليجي والعربي والدولي؛ فالمؤرخ يكتب للإمارات مسيرة نهج مؤسس وخطى قائد داعمة لقضايا وأمن الوطن العربي والخليجي، ومؤثرة في السياسة الدولية والتجارة والأمن والتطور، أما الاقتصادي يفند ويحصي فيها التنوع والتنمية والتطور وجودة الحياة والخدمات، ومن كانت يداه مفتوحتين للإنسانية يجدها مثالًا للتسامح والمساعدة والتعاون، والباحث عن التميز يجد قادتها نموذجا للتطور والتقدم والمناعة والوفاء.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة