CMS COP15 في البرازيل.. سباق دولي لإنقاذ الحيوانات البرية المهاجرة
وسط تحديات المناخ والتمويل
في 22 مارس/آذار 2026، انعقد اليوم التمهيدي (High-Level Segment)، للدورة الخامسة عشرة من اتفاقية الحفاظ على أنواع الحيوانات البرية المهاجرة (CMS COP15)، الذي يجتمع فيه رؤساء الدول والوزراء والقيادات الدولية.
وأدار الجلسة رفيعة المستوى، الرئيس المعين للمؤتمر "جواو باولو كابوبيانكو"، الذي يشغل منصب الأمين التنفيذي لوزارة البيئة والتغير المناخي في البرازيل.
خلال الجلسة، أشارت وزيرة البيئة البرازيلية مارينا سيلفا، إلى ضرورة تعزز التآزر الدولي لحماية الأنواع المهاجرة، خاصة في ظل تزايد عدم الاستقرار الجيوسياسي وتصاعد الأزمات والنزاعات بين الدول، وحثت مندوبي الدول الحاضرة بجعل CMS COP15 فرصة للدفاع عن التعددية.
رمزية المكان
استضافت البرازيل CMS COP15 في مدينة مدينة كامبو غراندي التي تقع في ولاية "ماتو غروسو دو سول"، التي تتميز بثرائها البيولوجي؛ إذ تضم نحو 3 من أصل 5 أنظمة بيئية في البرازيل، وهم: بانتانال (الأراضي الرطبة) والسيرادو (السافانا) وغابة الأطلسي (الغابات شبه النفضية).
وحضر حاكم الولاية، إدواردو ريدل، الجلسة رفيعة المستوى، ودعا إلى توفير آليات مالية لحفظ التنوع البيولوجي، بحيث يكون الحفظ مجديا اقتصاديا وليس مجرد التزام.
تجدر الإشارة أيضا إلى أن البرازيل قد استضافت في العام الماضي "مؤتمر الأطراف المعني بتغير المناخ في دورته الثلاثين" (COP30) في مدينة بيليم على أطراف الأمازون، وأطلق عليه لقب "مؤتمر الأطراف في الأمازون، للدلالة على رمزية المكان الذي يضم غابات الأمازون التي تعاني بسبب آثار تغير المناخ، الأمر نفسه بالنسبة لاستضافة CMS COP15، الذي انعقد في مدخل بانتانال، وهي إحدى أكبر الأراضي الرطبة الاستوائية في العالم، وتتميز بتنوعها البيولوجي الهائل.
الاتفاقات البيئية
وأشارت الأمينة العامة لاتفاقية رامسار للأراضي الرطبة، "موسوندا مومبا"، التي افتتحت الجلسة الأولى والتي كانت بعنوان "أهمية الأراضي الرطبة"، إلى أنّ حفظ الأراضي الرطبة هي مسؤولية بالغة الأهمية؛ فهي ضرورية للبشر والأنواع والمناخ، ودعت لتعزيز الترابط البيئي أو السياسي لضمان عالم صحي بعد العام 2030.
من جانبها، أشارت الأمينة التنفيذية لاتفاقية حفظ أنواع الحيوانات البرية المهاجرة، إيمي فرانكل، إلى أنّ CMS COP15، يمر بمرحلة حاسمة؛ خاصة وأنّ مؤشرات الأنواع المهاجرة تتجه نحو التدهور.
كما حضر كل من الأمينة التنفيذية لاتفاقية التنوع البيولوجي (CBD)، أستريد شوماكر، والأمينة العامة لاتفاقية التجارة الدولية بأنواع الحيوانات والنباتات البرية المهددة بالانقراض (CITES)، إيفون هيغيرو.
وأشار المشاركون إلى ضرورة تحقيق التعاون بين الاتفاقات البيئية وتآزرها؛ لدعم التنوع البيولوجي ودمج سياسات الأراضي الرطبة والأنواع المهاجرة ضمن إطار كونمينغ-مونتريال العالمي للتنوع البيولوجي.
البنية التحتية والطاقة
ولعل أبرز ما قد يزعج الطيور المهاجرة، التمدد العمراني ببنية تحتية قد تعرقل حركة الطيور والأنواع المهاجرة بصورة عامة؛ إذ تتعرض الطيور المهاجرة للتوربينات أو ألواح الطاقة الشمسية، وتصطدم بها؛ فتسقط.
وقد خُصصت الجلسة الثانية للبنية التحتية، وفي كلمته الرئيسية، أكد رئيس فريق عمل الطاقة التابع لاتفاقية حفظ أنواع الحيوانات البرية المهاجرة، أندريه لويز دي أندرادي، أهمية دمج الترابط البيئي في تخطيط البنية التحتية وضرورة دعم البنية التحتية للطاقة في المستقبل.
وتناولت الجلسة بيانات لتخطيط البنية التحتية بفعّالية وإجراء مسح شامل لمسارات هجرة الطيور. إضافة إلى الحاجة الماسة لأدوات ونُهج مبتكرة للحد من نفوق الطيور بسبب العوائق على طول مسارات الهجرة.
حضور رئاسي
شهد اليوم التمهيدي حضورا مميزا لبعض القادة، على رأسهم، رئيس دولة البرازيل، لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الذي أشار في كلمته إلى أنّ اتفاقية حفظ أنواع الحيوانات البرية المهاجرة (CMS)، تُذكرنا برسالة بسيطة، لكنها مؤثرة، مفادها "أنّ الهجرة أمر طبيعي".
كما شدد على أنّ النظم البيئية المترابطة تساعد في الحفاظ على التوزان، ما يجعل الحياة ممكنة. من جانب آخر، حث لولا دا سيلفا على ضرورة تحديث الاتفاقية بما يتماشى مع الاتفاقيات ذات الصلة، وتوسيع الدعم المالي لها، كما شدد على أهمية التعاون بين الدول لحماية الأنواع المهاجرة.
ودعا إلى تنسيق الجهود لمكافحة الجرائم البيئية، وسلط الضوء في كلمته الختامية على التوترات الجيوسياسية الحادة، ودعا مجلس الأمن الدولي إلى البحث عن حلول للنزاعات، وأشار إلى أنّه إذا ظل العالم بلا قوانين؛ سيُصبح عالمًا غير آمن. كما حث على العمل الجاد ضد الحروب وخطاب الكراهية.
من جانبه، أشار رئيس باراغواي، سانتياغو بينيا، إلى تقارب النظم البيئية في بلاده، وسلط الضوء على أهمية التثقيف البيئي في رفع الوعي العام بالقضايا البيئية، موضحًا أنّ "حماية البيئة مسؤولية مشتركة بين الدول والمجتمعات، ورفع مستوى هذا الوعي أمر بالغ الأهمية لبقاء الأنواع".
انطلاق
وفي 23 مارس/آذار، انطلق اليوم الأول من المؤتمر، وشهد انتخاب جواو باولو كابوبيانكو من البرازيل بالتزكية رئيسًا لـCMS COP15؛ وخالد الشرقي (من المغرب) نائبًا لرئيس CMS COP15 ورئيسًا للجنة العامة (CoW)، وإنكا غنيتكه (من ألمانيا) نائبًا لرئيس اللجنة العامة. وشهد المؤتمر حضور ما يزيد عن 2000 شخص، من بينهم 393 مندوبا، يمثلون 105 من الأطراف و337 مراقبًا من منظمات غير حكومية وطنية ودولية ومنظمات دولية، و54 ممثلًا عن الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية.
وأُشير إلى نتائج التقرير المرحلي للعام 2026 حول "حالة الأنواع المهاجرة في العالم" (State of the World’s Migratory Species - SWMS)، الذي أظهر أنّ 49% من أعداد الأنواع المهاجرة في الملحقين الأول والثاني من اتفاقية حفظ أنواع الحيوانات البرية المهاجرة، آخذة في التناقص التدريجي، وهناك 24% منها مُعرضة لخطر الانقراض.
لكن، ما زال الأمل يلوح في الأفق؛ إذ أشار نفس التقرير إلى أنّ هناك 7 أنواع ملحقة بالاتفاقية في حالة تحسّن ملحوظ؛ نتيجة تعزيز إجراءات حماية الموائل ومبادرات مكافحة الصيد الجائر، منهم: ظبي السيغة، والمها مقوسة القرون، وفقمة الراهب المتوسطية.
أهم المخرجات
الميزانية
خلال المؤتمر، ناقشت الأطراف ميزانية 2024-2025، واعتمد المؤتمر وثيقة القرار المتعلق بميزانية الملحق الأول للفترة الثلاثية 2027-2029، وبلغت الميزانية للعام 2027 نحو 3,477,476 يورو، و3,574,875 يورو لعام 2028، و3,963,489 يورو لعام 2029.
مع ذلك، تم التأكيد على أنّ هناك حاجة للمزيد من التمويل مع تزايد التحديات المصاحبة مثل المناخ وفقدان التنوع البيولوجي. كما ناقشت الأطراف تقارير بشأن استكشاف آلية تمويل مخصصة لاتفاقية الأنواع المهاجرة، من ضمنها مرفق البيئة العالمية.
خطة سمرقند
تمت مناقشة خطة سمرقند الاستراتيجية للأنواع المهاجرة 2024-2032، وطُلب من الأمانة العامة رفع مستوى الوعي بخطة إدارة الأداء الاستراتيجية لسمرقند بين الاتفاقيات البيئية المتعددة الأطراف الأخرى، إضافة إلى تحديد الثغرات في البيانات التي قد تُعيق التقدم في مؤشرات الخطة الاستراتيجية.
إطار كونمينغ-مونتريال
وخلال المؤتمر حث الاتحاد الأوروبي على مشاركة اتفاقية الأنواع المهاجرة على المشاركة في دعم التقدم المحرز عالميًا في إطار كونمينغ-مونتريال العالمي للتنوع البيولوجي، وخرج المؤتمر بقرارات تُطالب الأطراف بإدماج احتياجات الأنواع المهاجرة في خطط العمل والتكيف الوطنية للتنوع البيولوجي، بما يتماشى مع إطار كونمينغ-مونتريال العالمي للتنوع البيولوجي.
حالة الأنواع المهاجرة في العالم
اعتمد مؤتمر الأطراف قرارات جديدة، تطلب من الأمانة العامة بإعداد التقرير الثاني لرصد الأنواع المهاجرة وتقديمه إلى مؤتمر الأطراف لاتفاقية الحفاظ على أنواع الحيوانات البرية المهاجرة في دورتها السادسة عشرة (CMS COP16).
دعا النص الختامي لـCMS COP14 في سمرقند إلى تطوير مشروع أطلس هجرة الحيوانات؛ لدعم وحماية الأنواع المهاجرة، وبالفعل، حظى الأطلس باهتمام واضح في CMS COP15؛ واعتمد مؤتمر الأطراف بعض التوصيات بشأن تطويره المستقبلي ودعمه بالبيانات.
صون الأنواع المائية
تناولت النقاشات بين الأطراف العديد من القضايا المتعلقة بصون الأنواع المائية، والتهديدات الناجمة عن الصيد والصيد المباشر، واعتمد المؤتمر قرارات تحث على اتخاذ تدابير احترازية في الحالات التي لا تتوفر فيها معلومات كافية عن الصيد العرضي.
وتنفيذ تدابير للحد من الصيد العرضي للأنواع المدرجة في الملحق الأول. وجدد المؤتمر القرارات المتعلقة بإساءة معاملة الطيور البحرية وتشويهها في مصائد الأسماك وقرارات بشأن مراقبة الحياة البحرية والنظم الإيكولوجية للأعشاب البحرية.
التعدين في أعماق البحار
اعتمد مؤتمر الأطراف قرارات تتعلق بتيسير البحوث المتعلقة بآثار التعدين في أعماق البحار على الأنواع المهاجرة، وزيادة الوعي بأهمية الأنواع المهاجرة في مناقشات التعدين في أعماق البحار، كما حث المؤتمر على تطبيق مبدأ الحيطة.
ويقول رئيس قسم سياسات الحياة البرية، الصندوق العالمي للطبيعة (WWF)، الدكتور كولمان أكريودين، لـ"العين الإخبارية": "أوصى القرار الصادر عن مؤتمر الأطراف الأخير بعدم القيام بأنشطة استغلال المعادن في قاع البحار العميقة إلى حين توفر معلومات كافية لتقييم آثارها والتخفيف منها".
وأضاف: "قبل انعقاد هذا المؤتمر، طُرحت مقترحات بشأن تدابير التخفيف، لكن المؤتمر أقرّ بأن ذلك سابق لأوانه". ويُضيف: "لا أعتقد أنه يمكننا المطالبة بحظر تام إذا أمكن إثبات إمكانية تنفيذه بطريقة غير ضارة، ولكن في الوقت الراهن، ورغم وجود ثغرات معرفية، فإن الأدلة الأولية تشير بقوة إلى عكس ذلك".
حماية النظم الإيكولوجية للجبال البحرية
سلطت النقاشات على الدور المحوري للجبال البحرية وفرصة تعزيز التعاون من خلال تبادل البيانات ومبادرات التنفيذ المشتركة، وشدد على ضرورة إعطاء الأولوية لحماية الجبال البحرية، ما يُساهم في الحفاظ على الموائل الحيوية للأنواع المهاجرة. من جانب آخر، دعا المؤتمر إلى إعطاء الأولوية لحماية النُظم الإيكولوجية للجبال البحرية وإجراء البحوث عليها.
منع الصيد غير المشروع
تناول المؤتمر أيضًا قضايا الصيد غير المشروع والاتجار غير المشروع بالأنواع المهاجرة، واعتمد المؤتمر بعض التعديلات المقترحة المتعلقة بالصيد غير المشروع للطيور المهاجرة، وشدد أيضًا على منع تسمم الطيور المهاجرة.
وخلال المؤتمر، تم إطلاق المبادرة العالمية بشأن أخذ الأنواع المهاجرة للتصدي للصيد غير القانوني أو غير المستدام لتلك الأنواع. كما دعا المؤتمر إلى دعم عملية رصد آثار التلوث الضوئي على الأنواع المهاجرة، وسبل التخفيف من آثاره.
من جانبها، قالت منسقة البرنامج الإقليمي لاستعادة الحياة البرية في الصندوق العالمي للطبيعة (WWF) - البحر الأبيض المتوسط، سيمون نيدرمولر، لـ"العين الإخبارية" إن قرار المؤتمر للحد من الصيد العرضي يمكن تطبيقه في البلدان ذات آليات التنفيذ الضعيفة من خلال "إدراجه ضمن القوانين الوطنية، وتلك هي الخطوة الأولى المهمة، ثم ضمان قدرة الجهات المعنية على تنفيذه".
وأوضحت أنه على الرغم من أنّ الإنفاذ بالغ الأهمية فإنه "يُمكن للدول الاستثمار بالتوازي في مناهج الإدارة التشاركية، التي تُعدّ ذات أهمية خاصة عند العمل مع مصائد الأسماك الصغيرة؛ فهذا النهج يمكنه أن يزيد من المشاركة، وبالتالي يدعم الامتثال".
تغير المناخ
تم أخذ تغير المناخ بعين الاعتبار في أثناء مناقشات المؤتمر، ووافقت الأمانة العامة على إعداد خطة عمل بشأن تغير المناخ، وتحديد دراسات الحالة الناجحة حول الإجراءات التي دعمت تكيّف الأنواع المهاجرة مع تغير المناخ، كذلك مع خدمات النظام البيئي التي توفرها الأنواع المهاجرة وتساهم في معالجة أزمة المناخ.
يتضمن الملحق الأول للاتفاقية أنواع الحيوانات المهاجرة المعرضة لخطر الانقراض، بينما يتضمن الملحق الثاني الأنواع التي تتطلب تعاونًا دوليًا. خلال المؤتمر، أُجريت بعض التعديلات على الملحقين الأول والثاني من الاتفاقية. وتمت إضافة تقريبًا 20 نوعًا إلى الملحق الأول، وأُجريت بعض التعديلات مع إضافة أنواع أخرى للملحق الثاني.
فجوة
على الرغم من اقتراب العام 2030، فإنّ هناك فجوة واضحة بين التعهدات والتنفيذ، ويُعلق الدكتور كولمان أكريودين، قائلًا لـ"العين الإخبارية" إنه "لا يزال عدد كبير من الدول لم يقدم خطط عمل وطنية منقحة للتنوع البيولوجي، ولا حتى أهدافاً منقحة، وحتى تلك التي قدمتها، فإنها عموماً لا ترقى إلى مستوى طموحات إطار التنوع البيولوجي العالمي. إضافةً إلى ذلك، فإن سجل الدول ضعيف في تحقيق حتى الأهداف التي حددتها لنفسها".
ويتابع: "لذا، تشير الأدلة المتاحة إلى أنه ما لم يكن هناك تصعيد جماعي واسع النطاق، فلن نتمكن من تحقيق أهداف عام 2030، وسيستمر تدهور التنوع البيولوجي".
وفي ختام مؤتمر الأطراف الأخير لها بصفتها الأمينة التنفيذية لاتفاقية الحفاظ على أنواع الحيوانات البرية المهاجرة، شكرت آمي فرانكل الأطراف وفريق الاتفاقية وأصحاب المصلحة على إنسانيتهم وصداقتهم.
وأشارت إلى الاتفاقية بأنها من أهم الاتفاقيات الدولية المعنية بالبيئة، موضحة أنها تتناول الأهداف نفسها التي تناولتها اتفاقيات ريو، لكن من منظور الأنواع المهاجرة التي تعبر البلدان والقارات والمجتمعات. وأضافت: "أنها تُحرك مشاعرنا، وتلامس قلوبنا وأرواحنا". وأعلنت اختتام المؤتمر في 29 مارس/آذار 2026.