مدن أوروبية تجمع بين استكشاف الأعماق والكنوز الثقافية.. سياحة بوجهين
من أعماق البحر في الصباح إلى الأزقة التاريخية بعد الظهيرة.. ماذا لو لم تعد مضطرًا للاختيار بين المغامرة والاستكشاف الثقافي؟ على سواحل المتوسط والأطلسي، توجد مدن تمنحك التجربتين في يوم واحد.
من كرواتيا إلى اليونان، جولة في أبرز الوجهات التي تُعاش فيها المغامرة باستخدام قناع الغوص كما تُعاش بعدسة الكاميرا.
وذكرت صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية في تقرير حول استكشاف أعماق البحار في أوروبا، أن البحر الأبيض المتوسط لم يكن مجرد خلفية طبيعية، بل كان عبر القرون مسرحًا لقصص بشرية، ومعارك بحرية، وحوادث غرق. واليوم، لا تزال هذه الحكايات تنكشف تحت الماء. لكن الجديد هو أنه لم يعد من الضروري السفر إلى جزر بعيدة لخوض تجربة تجمع بين الغوص وزيارة ثقافية.
وفي أوروبا، تقدم بعض المدن تجربة مزدوجة: مواقع غوص غنية ومتنوعة، قريبة من أحياء تاريخية، ومتاحف، وجولات حضرية. إليكم خمس مدن يجتمع فيها القناع والزعانف مع الكاميرات ودفاتر السفر.
دوبروفنيك، كرواتيا: أسوار مهيبة وأسرار غارقة في الأدرياتيكي
تجذب مدينة دوبروفنيك المحصنة الأنظار بأسوارها وأسقفها القرميدية المطلة على البحر الأدرياتيكي. لكن المغامرين الحقيقيين يعرفون أن تاريخها يمتد تحت الماء أيضًا. فحطام سفينة "تارانتو"، الراقد على عمق 30 مترًا، يروي مأساة قوافل الحرب العالمية الثانية.
وعلى مقربة، تكشف مواقع غوص أسهل تضاريس صخرية نحتتها التيارات. وبعد العودة إلى اليابسة، يصعب مقاومة التجول في الأزقة المرصوفة لاكتشاف القصور القوطية والكنائس الباروكية. إنها تجربة مزدوجة بين تراث بحري وروائع معمارية.

مالطا: معابد تحت الماء وروائع باروكية في الهواء الطلق
في مالطا، الغوص ليس مجرد نشاط ترفيهي، بل رحلة عبر التاريخ. تكشف المياه الصافية عن كهوف وأقواس طبيعية وحطام سفن حديثة، إلى جانب مواقع أثرية مغمورة تعود إلى حضارات قديمة.
ويجذب "الثقب الأزرق" في غوزو، وحطام "روزي"، وأنفاق كومينو عشاق المناظر المذهلة. وعلى اليابسة، تمتد التجربة في العاصمة فاليتا، حيث الحصون والكاتدرائيات الباروكية وقصور الفرسان. هنا، كل حجر يروي قصة، وكل غوصة تفتح نافذة على زمن آخر.
مرسيليا، فرنسا: لقاء الطبيعة البرية مع الثقافة الحديثة
مرسيليا مدينة مليئة بالتناقضات. فرغم طابعها الخام والمتعدد الثقافات، تحتضن بعضًا من أجمل مواقع الغوص في المتوسط. يستكشف الغواصون ذوو الخبرة حطام سفينة "تشاوين"، بينما يغامر آخرون في الكهوف البحرية للساحل الأزرق.
وتوفر "الكالانك" تجربة طبيعية مذهلة بين المنحدرات والخلجان المخفية. وعند العودة إلى الميناء القديم، يظهر التباين بوضوح: متحف الحضارات الأوروبية والمتوسطية، ومباني "فييل شاريتيه"، وأسواق حي "لو بانييه" الشعبية، كلها تعكس مدينة تتحد فيها الثقافة مع البحر.

لشبونة، البرتغال: من أعماق الأطلسي إلى تلال التاريخ
تنظر لشبونة إلى المحيط الأطلسي كرفيق قديم. وبينما تُستكشف المدينة سيرًا على الأقدام عبر شرفاتها وترامها الأصفر وساحاتها المرصوفة، يمكن أيضًا اكتشافها بالغوص في مياهها. على بعد ساعة، تقدم منطقة سيسيمبرا منحدرات صخرية وكهوفًا بحرية وحطام سفن غير معروفة كثيرًا. وعند العودة، يستمر الرحلة بين برج بيليم، شاهد عصر الاكتشافات، وأزقة حي ألفاما الساحرة حيث موسيقى الفادو والبلاط المزخرف. لشبونة محطة فريدة تجمع بين أعماق البحر ومرتفعات المدينة.

أثينا، اليونان: غوص هادئ على خلفية حضارة عريقة
يأتي الزوار إلى أثينا لرؤية الأكروبوليس، لكنهم يكتشفون أيضًا بحرًا غنيًا بالمفاجآت. تكشف مياه خليج سارونيك، خصوصًا قرب جزر إيجينا وهيدرا، عن مواقع غوص محفوظة تضم أخاديد بحرية وشعابًا ملونة. وأحيانًا تظهر آثار من اليونان القديمة، مثل جرار أو بقايا غارقة. وعلى اليابسة، تستمر الرحلة التاريخية من البارثينون إلى المعارض الحديثة في حي بسيري، حيث تمتزج العصور دون أن تفقد هويتها. إنها عاصمة تجعل البحر جزءًا من تجربتها الثقافية.
طريقة جديدة للسفر: تحت الماء وفي الشوارع
تقدم أوروبا طرقًا جديدة للاستكشاف. فالغوص في التاريخ لا يقتصر على المتاحف، بل يمتد إلى الحطام والشعاب والكهوف البحرية. هذه المدن، التي تجمع بسهولة بين الغوص والسياحة، تقدم تجربة متكاملة حيث تمتد كل مغامرة بحرية إلى رحلة عبر الزمن في الشوارع. وكما هو الحال دائمًا في أوروبا، تكتمل التجربة على المائدة، مع أطباق المأكولات البحرية وكأس من النبيذ المحلي. إنها تجربة سياحية متكاملة، لا تتوقف عند السطح ولا عند المعالم.