سياسة

هل يشعل ترامب حرباً تجارية عالمية؟

الأربعاء 2018.2.7 10:41 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 372قراءة
  • 0 تعليق
مجدي صبحي

دعا الرؤساء التنفيذيون لأكبر شركات الصلب في الولايات المتحدة، يوم الجمعة الماضي، الرئيس دونالد ترامب إلى فرض إجراءات تجارية عاجلة للحدّ من طاقة إنتاج الصلب الأمريكية غير المُستَغلة، والحدّ من زيادة واردات الصلب التي يقولون إنها تدمر الصناعة الأمريكية.

وكانت قد بدأت سلسلة تحقيقات أولية أمر بها ويلبور روس وزير التجارة الأمريكي في شهر أبريل الماضي، للنظر فيما إذا كانت واردات الولايات المتحدة من الصلب تشكل تهديداً للأمن القومي الأمريكي وفقاً للمادة 232 من ملحق قانون التجارة الأمريكي لعام 1962، وقد أشارت الوزارة إلى ارتفاع "هائل" في واردات الصلب خلال العام الماضي وتعطل نحو 30% من الطاقة الإنتاجية الأمريكية للصلب مع تغطية الواردات لنحو ربع الاستهلاك الأمريكي، وقد جرى تسليم تقرير يتضمن نتائج هذه التحقيقات يوم 15 يناير للرئيس، وعليه اتخاذ قراره بشأن ما احتواه التقرير خلال 90 يوماً بموجب المادة 232.

الصلب مجرد بداية

تشير مجلة الإيكونوميست إلى أن خلاصة تقرير وزارة التجارة بشأن الصلب ليس هناك أي شك حولها، فالحكومة سوف تجادل بأن الصلب مهم في صناعة الدفاع، إذ يدخل في صناعة السفن الحربية والغواصات، كما أن هناك أنواعاً معينة من الصلب المخصوص تدخل في صناعة الطائرات المقاتلة، ولكن المفارقة أن القوات المسلحة تستخدم نسبة ضئيلة جداً من إنتاج الصلب، ولكن بعض المنتجين الأمريكيين يدّعون أنهم لكي ينتجوا أنواعاً معينة مرتفعة التكلفة من الصلب المخصوص، فإن عليهم الاعتماد على بيع الأنواع الأقل من حيث النوعية بكميات كبيرة من أجل تغطية تكلفتهم الثابتة، ويمكن للحكومة أيضاً أن تشير إلى أهمية الصلب في مشروعات البنية الأساسية المهمة كمشروعات الاتصالات والسدود.

باتت الخشية الآن من أن تؤدي الإجراءات الأمريكية إلى حفز الدول الأخرى على اتخاذ إجراءات انتقامية؛ للرد سواء كانت الصين أم غيرها، فهكذا بالضبط تنشب الحروب التجارية، والحقيقة أن سياسة ترامب تتجاوز مجرد سلع محددة كالصلب أو بلدان محددة كالصين، على الرغم من كونها على رأس القائمة

ومن الواضح أن الصين هي الهدف الأول للإجراءات الحمائية الأمريكية، ففي أغسطس الماضي، أطلق الممثل التجاري الأمريكي التحقيق بموجب المادة 301 ضد الصين في ثلاثة مجالات تتضمن: حقوق الملكية الفكرية، والابتكار، وتطوير التكنولوجيا، وربما يؤدي متابعة هذه التحقيقات لاحقاً إلى فرض عقوبات، علاوة على ذلك فهناك التحقيقات بموجب المادة 232 وهي المادة التي تتعلق بما تشكله واردات الصلب عبر ممارسات تجارية غير عادلة من تهديد للأمن القومي، وكانت التحقيقات قد بدأت فيها بالأساس متوجهة نحو الصين أكبر منتج للصلب في العالم.

وتعد الولايات المتحدة أكبر مستورد للصلب في العالم، ولكن اعتمادها على الصين آخذ في الانخفاض بسرعة، فقد بلغت المشتريات الأمريكية من الصلب بين يناير ونوفمبر 2017 نحو 32 مليون طن، واحتلت كل من كندا والبرازيل وكوريا الجنوبية قائمة أهم المصدرين للسوق الأمريكية، بينما لا تظهر الصين في قائمة أهم 10 مصدرين للصلب للولايات المتحدة، بل وتتقلص الصادرات الصينية مع استهلاكها لكمية أكبر من الصلب في سوقها المحلية، وبلغت الواردات الأمريكية من الصلب الصيني في الـ11 شهرا الأولى من العام الماضي أقل من 2% من إجمالي وارداتها، ولن يكون أي إجراء أمريكي بالتالي مفيداً في الضغط على الصين في هذا المجال، بل سيضر أكثر بشركاء أمريكا الرئيسين ككندا والبرازيل وكوريا الجنوبية والمكسيك وتركيا واليابان.

ترامب رجل المبيعات والتجارة الدولية

وبينما أشار العديد من المراقبين إلى أن خطاب الرئيس الأمريكي أمام منتدى دافوس يوم 26 من الشهر الماضي جاء مرناً ويتسم بالبراجماتية، إذ عوضا عن توقع أن خطابه سيكون خشنا بعرض أفكاره الحمائية جاء الخطاب كما تذكر وكالة بلومبرج ممثلا لـ"ترامب رجل المبيعات"، حيث ركز فيه على تسويق أمريكا استثماريا، باعتبار أنها قد استعادت قدراتها التنافسية مرة أخرى مع تمتعها مؤخرا ًبنظام ضريبي خفض ضريبة الشركات من 35% إلى 21% فقط، ولكن الحقيقة أن ترامب لم يفوّت الفرصة أيضاً في دافوس للتعرض لقضية التجارة الدولية، إذ جاء في خطابه أمام المنتدى "لا يمكن الحفاظ على تجارة حرة إذا استغلت بعض الدول هذا النظام على حساب أخرى، ندعم التجارة الحرة، لكن يجب أن تكون عادلة ومتبادلة.. تجارة غير عادلة تضرنا جميعاً.. الولايات المتحدة لن تغض الطرف عن السياسات الاقتصادية غير العادلة، والتي تشمل سرقة الملكية الفكرية والتخطيط الاقتصادي الذي تقوده الدولة والدعم الصناعي".

والأكثر أهمية أنه كان قد استبق خطابه بثلاثة أيام بفرض ما سُمي بالتعريفات الجمركية الحمائية على الواردات الأمريكية من ألواح الطاقة الشمسية، والغسالات الكهربائية في ظل المادة 201 من قانون التجارة الأمريكي لعام 1974، وهذه الإجراءات موجهة بشكل رئيسي ضد كل من الصين وكوريا الجنوبية، ويمكن اعتبار هذه الخطوة بمثابة استهلال لسلسلة من الإجراءات.

تهديد النظام التجاري الدولي

يرى البعض أن رئاسة دونالد ترامب الحمائية منذ البداية تحولت الآن من الحديث اللفظي إلى العمل في حملتها من أجل حماية مصالح عمال الولايات المتحدة، مما يطلق عليه دونالد ترامب "الاتفاقات التجارية السيئة"، وباتت الخشية الآن من أن تؤدي الإجراءات الأمريكية إلى حفز الدول الأخرى على اتخاذ إجراءات انتقامية للرد؛ سواء كانت الصين أم غيرها، فهكذا بالضبط تنشب الحروب التجارية، والحقيقة أن سياسة ترامب تتجاوز مجرد سلع محددة كالصلب أو بلدان محددة كالصين، على الرغم من كونها على رأس القائمة.

والمشكلة تكمن في التهديد الذي تمثله أفكار ترامب وسياساته للنظام التجاري الدولي قاطبة، وحسبما ترى وزيرة الخارجية الإسبانية السابقة "آنا بالاسيو" في مقال لها بعنوان "رجل دافوس يتملق ترامب"، أنه إذا كان ترامب قد أثبت بخطابه أمام دافوس أنه يتسم بالبراجماتية، وهو ما لا يعد أمراً سيئاً في حد ذاته، فقد أكدت في الوقت ذاته أن أي نظام يقوم على البراجماتية بشكل تام - حيث تبرر الغاية الوسيلة ـ وحيث لا تعني القيم أي شيء-سوف يكون نظاماً ضعيفاً وغير مستقر، وبمعنى آخر فإن ما قد تقدم عليه الإدارة الأمريكية من إجراءات حمائية، وفي ظل استبعاد تام للقيم والقواعد الدولية القائمة لفض المنازعات التجارية، خاصة بمنظمة التجارة العالمية، قد تندفع الدول الأخرى بدورها للرد بإجراءات مماثلة، مما قد يؤدي لانهيار النظام التجاري الدولي ونشوب سلسلة من الحروب التجارية التي من المؤكد ألا أحد سيخرج منها رابحاً.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات