الشرق الكونغولي يشتعل مجددا.. من وراء انهيار الهدنة؟ (خبيران)
القتال يتجدد بالشرق الكونغولي، المنطقة التي يرى خبراء أن الأزمة فيها اتخذت صبغة بنيوية غالبا ما تنعكس في هشاشة اتفاقات وقف النار فيها.
ويرى خبراء في شؤون الساحل الأفريقي أن تجدد القتال بالمنطقة المضطربة يعكس هشاشة عميقة في اتفاقات وقف إطلاق النار، معتبرين أن الصراعات المسلحة فيها لم تعد مجرد نزاعات محلية، بل أصبحت جزءاً من توازنات إقليمية معقدة.
كما يعتقدون أن غياب الثقة بين الأطراف المتحاربة، إلى جانب تعدد الفاعلين المسلحين، يجعل أي اتفاق سياسي عرضة للانهيار السريع، كما يحدث حالياً.
القتال يتجدد
بعد يومين فقط من انتهاء جولة المفاوضات الأخيرة في سويسرا، والتي التزم خلالها مسلحو «تحالف نهر الكونغو/ إم 23» والحكومة الكونغولية مجدداً باحترام وقف إطلاق النار، عادت الاشتباكات لتندلع بالشرق.
وتبادل الطرفان الاتهامات بشن هجمات وقصف مواقع عسكرية ومدنية، في تصعيد جديد شمل إقليمي جنوب كيفو وشماله، وهما من أكثر المناطق توتراً في البلاد، بحسب إذاعة "آر إف آي" الفرنسية.
وفي تعقيبه، يقول الباحث المتخصص في شؤون النزاعات الأفريقية مارك أنطوان بيروس دو مونكلو لـ"العين الإخبارية"، إن ما يحدث في الشرق الكونغولي ليس مجرد خرق تقني لاتفاق وقف إطلاق النار، بل هو انعكاس لأزمة بنيوية عميقة في طبيعة الدولة والعلاقات الإقليمية المحيطة بها.
ويؤكد دو مونكلو أن تعدد الفاعلين المسلحين، سواء كانوا جماعات متمردة أو ميليشيات محلية أو قوات مدعومة إقليمياً، يجعل من أي اتفاق سلام هشاً بطبيعته.
وأوضح أن "هذه الجماعات لا تعمل ضمن هرمية موحدة، بل وفق مصالح متباينة، وغالباً متناقضة، ما يفرغ أي التزام سياسي من مضمونه على الأرض".
وبحسب الباحث الفرنسي، فإن الشرق الكونغولي يمثل نموذجاً لما يسميه "اقتصاد الحرب"، حيث تستمر الصراعات ليس فقط لأسباب أيديولوجية أو سياسية، بل بسبب المصالح الاقتصادية المرتبطة بالموارد الطبيعية، مثل المعادن النادرة، كما تصبح الحرب نفسها مصدر دخل، ما يقلل من الحوافز الحقيقية لإنهائها.
وشدد على أن انعدام الثقة بين الحكومة الكونغولية و"تحالف نهر الكونغو/ إم 23" ليس طارئاً، بل هو نتيجة تراكمات طويلة من الاتفاقات غير المنفذة، فكل جولة تفاوض جديدة، من وجهة نظره، تبدأ من نقطة أقل من سابقتها، بسبب فقدان المصداقية.
ويعتقد دو مونكلو أن "الاعتماد على الوساطات الدولية، رغم أهميته، لا يمكن أن يعوض غياب إرادة سياسية حقيقية لدى الأطراف المحلية".
وحذر كذلك من أن استخدام التكنولوجيا العسكرية، مثل الطائرات المسيّرة، يعكس تطوراً نوعياً في الصراع، لكنه في الوقت نفسه يزيد من تعقيده، حيث يصعب تحديد المسؤوليات بدقة، ما يفتح الباب أمام تبادل الاتهامات وتصعيد متبادل.
إعادة إنتاج العنف
من جهتها، قالت الباحثة في الأمن الأفريقي نيكاغالي باجايوكو، لـ"العين الإخبارية"، إن ما يحدث في الشرق الكونغولي لا يمكن فهمه فقط من خلال التحليل العسكري أو السياسي، بل يجب النظر إليه كأزمة مجتمع كامل يعيش حالة هشاشة ممتدة.
وأشارت باجايوكو إلى أن استمرار النزاع يغذي دائرة مفرغة من العنف، حيث يؤدي النزوح الجماعي وانهيار الخدمات الأساسية إلى خلق بيئة خصبة لتجنيد الشباب في الجماعات المسلحة.
وتتابع أن "الأفراد الذين يفقدون مصادر رزقهم أو يشعرون بالتهميش يصبحون أكثر عرضة للانخراط في هذه الشبكات".
وأكدت باجايوكو أن المليشيات المحلية، مثل "وازاليندو"، تلعب دوراً مزدوجاً: فهي من جهة تقدم نفسها كقوى دفاع مجتمعي، لكنها من جهة أخرى تساهم في تعقيد المشهد الأمني، بسبب ضعف الانضباط وغياب المساءلة.
ولفتت باجايوكو إلى أن العامل الإثني لا يزال حاضراً بقوة، خاصة في مناطق مثل مينيمبوي، حيث تتداخل الانتماءات العرقية مع الصراع السياسي، ما يزيد من صعوبة الوصول إلى حلول شاملة.
وفي ما يتعلق بدور بعثة الأمم المتحدة، ترى باجايوكو أن التحدي لا يكمن فقط في الإمكانيات اللوجستية، بل أيضاً في محدودية القبول المحلي. فبعض المجتمعات باتت تنظر إلى هذه البعثات بشكوك، نتيجة عدم قدرتها على منع العنف بشكل حاسم.
وحذرت من أن فشل آليات مثل تبادل الأسرى أو مراقبة وقف إطلاق النار لن يؤدي فقط إلى عودة القتال، بل قد يقوّض ما تبقى من ثقة لدى المدنيين في أي عملية سلام مستقبلية.
وأشارت إلى أن إدخال تقنيات مثل الطائرات المسيّرة يعكس "تدويل الأدوات" في النزاع، حتى وإن ظل محلياً في جذوره، وهو ما يزيد من احتمالات اتساعه إقليمياً.
هجمات وقتلى
شهدت الهضاب المرتفعة في مناطق فيزي وموينغا وأوفيرا في جنوب كيفو (الشرق الكونغولي) هدوءاً نسبياً خلال فترة المفاوضات التي استمرت نحو أسبوع. إلا أن هذا الهدوء لم يدم طويلاً، حيث عادت أعمال العنف مجدداً منذ عطلة نهاية الأسبوع.
ففي صباح الأحد، استهدفت ضربات بطائرات مسيّرة قريتي "بيتشاكا" و"بوينت زيرو"، الواقعتين على مسافة تقارب عشرة كيلومترات، وفقاً لمصادر محلية.
وتوجد في هذه المنطقة قوات من الجيش الكونغولي إلى جانب حلفائه من القوات البوروندية ومقاتلي "وازاليندو".
كما تضم المنطقة أعداداً من النازحين المدنيين، وقد أسفرت الهجمات، بحسب مصادر ميدانية، عن مقتل ستة مدنيين وإصابة نحو عشرة آخرين، مع احتمال ارتفاع الحصيلة بسبب استهداف مواقع عسكرية تابعة للقوات المسلحة.
وتعد منطقة "بوينت زيرو" موقعاً استراتيجياً تسعى القوات الحكومية للاحتفاظ به، نظراً لأهميتها في الوصول إلى مناطق حيوية مثل "فيزي-سنتر"، التي تبعد نحو 80 كيلومتراً.
كما تمثل نقطة عبور نحو "مينيمبوي"، التي تسيطر عليها ميليشيا "تويرانيهو"، وهي جماعة دفاع ذاتي مرتبطة بـ"تحالف نهر الكونغو/ إم 23".
في المقابل، أعلن المسلحون أن قرى في منطقة "ميكينغي" التابعة لمينيمبوي، والخاضعة لسيطرة حلفائه، تعرضت أيضاً لهجمات، إضافة إلى عمليات عسكرية في إقليم ماسيسي بشمال كيفو.
تهديد مباشر لمسار السلام
وفقأ للإذاعة الفرنسية فإن هذا التصعيد يأتي في وقت كان من المفترض أن يبدأ فيه الطرفان، خلال أيام، آلية مشتركة لمراقبة وقف إطلاق النار، بالتعاون مع مؤتمر منطقة البحيرات الكبرى وبعثة الأمم المتحدة في الكونغو الديمقراطية.
ورأت الإذاعة أن عودة القتال تهدد بشكل مباشر هذا المسار، وتضع علامات استفهام حول إمكانية تنفيذ أي التزامات ميدانية.
واعتبرت أن هذا الانهيار لم يكن مفاجئاً، إذ كانت مؤشرات التوتر واضحة حتى أثناء انعقاد المفاوضات، فقد عبّرت الولايات المتحدة عن خيبة أملها في مجلس الأمن الدولي قبل انتهاء المحادثات، في إشارة إلى ضعف التقدم.
وكشفت محادثات مونترو عن فجوة عميقة في الثقة بين كينشاسا و"تحالف نهر الكونغو/ إم 23"، حيث غادر الطرفان دون توقيع اتفاق جديد، خاصة أن الاتفاقات السابقة، سواء المتعلقة بوقف إطلاق النار أو تبادل الأسرى، لم يتم تنفيذها، وبقي كل طرف متمسكاً بمواقفه.
ويثير ذلك مخاوف حقيقية من انزلاق الوضع نحو تصعيد جديد، وهو ما يحذر منه الوسطاء أنفسهم، وفقاً للإذاعة الفرنسية.
اختبارات الحسم
يرى مراقبون أن الأيام المقبلة ستكون حاسمة، مع وجود اختبارين رئيسيين بتبادل الأسرى، إذ تعهد الطرفان بالإفراج عن نحو 400 معتقل بحلول 27 أبريل. نيسان الجاري.
وهذا الإجراء يُفترض أن يعزز الثقة، لكن أي فشل في تنفيذ هذا الالتزام قد يؤدي إلى انهيار كامل للعملية السياسية، وفقاً لدبلوماسيين.
والخيار الثاني هو إطلاق آلية مراقبة الهدنة، فمن المقرر بدء عمل آلية التحقق المشتركة في موعد أقصاه الجمعة المقبلة، إلا أن بعثة الأمم المتحدة تدرك حجم التحديات التي تواجهها.
وأكدت بعثة الأمم المتحدة أن نجاح آلية المراقبة يتطلب شروطاً أساسية لم تتحقق حتى الآن، من بينها وقف استخدام الطائرات المسيّرة الهجومية، وإنهاء عمليات التشويش على أنظمة تحديد المواقع (GPS)، وضمان حرية حركة فرق الأمم المتحدة، وتأمين المطارات والمجال الجوي