في السباق الأمريكي الصيني.. الفوز لصاحب النفس الأطول
لم يعد التنافس الأمريكي الصيني سباق ابتكار فقط، بل معركة طويلة النفس على من يملك مفاتيح المنظومة التكنولوجية كاملة من الإنتاج إلى النفوذ العالمي.
اعتبر مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق جاك ساليفان إن التنافس بين الولايات المتحدة والصين لم يعد سباقا تقليديا على الابتكار، بل بات صراعا طويل الأمد على السيطرة الشاملة على منظومة التكنولوجيا—من الاكتشاف إلى الإنتاج إلى الانتشار العالمي.
وفى تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز، طرح ساليفان فكرة أن القوى الكبرى عبر التاريخ لم تنتصر فقط بالقوة العسكرية، بل بقدرتها على التكيف مع طبيعة الصراع.
واليوم، تمثل التكنولوجيا ساحة المعركة الأساسية، حيث تتحدد موازين القوة العالمية عبر قطاعات مثل الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والتكنولوجيا الحيوية، والطاقة النظيفة.
وأشار أنه لفترة طويلة، افترضت واشنطن أن الصين تسير في نفس المسار لكنها متأخرة خطوات، حيث تعتمد على تقليد الابتكار الغربي ولن تستطيع تجاوزه. لكن هذا الافتراض ثبت خطؤه. فالصين لم تعد مجرد "ملاحِق"، بل طورت نموذجا مختلفا للقوة يقوم على السيطرة على الإنتاج، والتوسع في الحجم، والتحكم في المدخلات الحيوية. وبينما ركزت الولايات المتحدة على التفوق في الابتكار، ركزت الصين على تحويل هذا الابتكار إلى قدرات صناعية وأمنية واسعة النطاق.
وهنا يكمن جوهر التحول، وفقا لساليفان. فالصراع ليس سباقًا نحو خط نهاية، بل عملية مستمرة بلا حسم نهائي. وبالتالي، فالتفوق لا يتحقق بمجرد الوصول أولًا إلى اكتشاف جديد، بل بالقدرة على إنتاجه بكفاءة، ونشره على نطاق واسع، والتحكم في سلاسل إمداده. لذلك، فإن الرؤية الأمريكية التقليدية التي تركز على "الاختراقات التكنولوجية" وحدها أصبحت غير كافية.
سباق مستدام
وأكد ساليفان في تحليله أن النجاح الأمريكي لا ينبغي أن يقاس فقط بالتفوق على الصين، بل بمدى قدرة هذا التفوق على تحسين حياة المواطنين وتعزيز الأمن القومي. ومن ثم، فإن الهدف الحقيقي هو بناء قاعدة تكنولوجية-صناعية متكاملة تدعم الابتكار المستمر، وتترجم إلى قوة اقتصادية وعسكرية، وترسخ النفوذ الأمريكي عالميًا.
في المقابل، تعتمد الاستراتيجية الصينية على تحقيق استقلالها عن العالم، مع جعل الآخرين يعتمدون عليها. وهي لا تسعى للهيمنة في كل المجالات، بل للسيطرة على "نقاط الاختناق" في الاقتصاد العالمي—مثل المعادن النادرة، وسلاسل توريد البطاريات، ومكونات الصناعات الحيوية. وهذا النهج يمنحها نفوذًا استراتيجيًا حتى دون التفوق في كل مجال. كما أن طبيعة النظام السياسي المركزي في الصين تسمح بتوجيه الموارد بسرعة وكفاءة نحو أهداف طويلة المدى.
ويعتبر ساليفان أن الولايات المتحدة لا يمكنها—ولا ينبغي لها—تقليد النموذج الصيني، لكنها بحاجة إلى تطوير نموذجها الخاص الذي يجمع بين الابتكار والإنتاج والسيطرة على المدخلات الحيوية. ومن هنا، يطرح فكرة مجالات التفوق التي تمنح ميزة استراتيجية مستدامة.
محاور أساسية للتفوق
وهذه المجالات تتلخص في أربعة محاور مترابطة:
أولًا، إعادة بناء القاعدة الصناعية التكنولوجية بحيث لا يقتصر التفوق على الابتكار، بل يمتد إلى الإنتاج واسع النطاق داخل سلاسل إمداد مرنة ومتنوعة.
ثانيًا، تطوير القدرات العسكرية عبر دمج التكنولوجيا المتقدمة—خصوصًا الذكاء الاصطناعي—بما يعزز الردع ويمنع نشوب صراعات كبرى، خاصة في مناطق حساسة مثل تايوان.
ثالثًا، بناء نظام رقمي عالمي قائم على القيم الديمقراطية، بحيث تصبح التكنولوجيا الأمريكية هي النموذج السائد عالميًا.
رابعًا، الحفاظ على قدر من الاستقرار في العلاقة مع الصين لتجنب انزلاق التنافس إلى صراع مدمر.
ويشدد ساليفان على أن هذه المحاور لا تعمل بشكل منفصل، بل يعزز كل منها الآخر. فالقوة الصناعية تدعم القوة العسكرية، وهذه بدورها تحمي الاقتصاد، بينما يضمن الانتشار العالمي للتكنولوجيا الأمريكية ترسيخ النفوذ طويل الأمد.
ثلاث مسارات تكنولوجية
كما يحدد ثلاث مسارات تكنولوجية حاسمة لمستقبل هذا الصراع: الحوسبة (بما فيها الذكاء الاصطناعي والرقائق)، والتكنولوجيا الحيوية، والطاقة النظيفة. هذه المجالات ليست مستقلة، بل يتغذى كل منها على الآخر، ما يجعل السيطرة عليها مجتمعة أمرًا حاسمًا.
لكن تحقيق هذا الهدف يتطلب تحولًا عميقًا في السياسة الأمريكية. فقد أدى الاعتماد الطويل على العولمة إلى نقل التصنيع خارج البلاد، وهو ما أضعف القدرة على الابتكار نفسه، لأن المعرفة الصناعية تنتقل مع خطوط الإنتاج. لذلك، دعا ساليفان إلى استراتيجية مزدوجة: دعم الابتكار والتصنيع محليا، مع حماية هذه المكاسب من المنافسة غير العادلة أو الاستخدامات المعادية.
وفي هذا السياق، طرح ساليفان مفهوم “ساحة صغيرة وسياج مرتفع”، أي فرض قيود صارمة على تصدير التقنيات الأكثر حساسية فقط، بدلًا من الانفصال الكامل عن الصين. أما الهدف فهو حماية المزايا الاستراتيجية دون الإضرار بالتجارة العالمية ككل.
كذلك، يشدد على أهمية التحالفات الدولية، حيث لا يمكن للولايات المتحدة وحدها بناء منظومة تكنولوجية متكاملة. والتعاون مع الحلفاء يتيح تحقيق "حجم جماعي" قادر على منافسة الصين، خاصة في سلاسل الإمداد والمعايير التقنية.
ورغم الطابع التنافسي، يؤكد المقال أن التعاون مع الصين يظل ضروريًا في قضايا مثل المناخ والأمن النووي. فالتنافس غير المنضبط قد يقود إلى نتائج كارثية على الجميع.