توقعات التضخم في مصر.. زيادة مرتقبة مدفوعة بتداعيات حرب إيران
تتصدر مخاوف القفزات التضخمية المشهد الاقتصادي العالمي، مدفوعة باضطرابات جيوسياسية ألقت بظلالها على سلاسل الإمداد وتكاليف الطاقة.
وفي ظل هذه الضغوط، تسعى البنوك المركزية للموازنة بين كبح التضخم والحفاظ على الاستقرار النقدي، وهو ما يفسر الترقب الحذر لنتائج القرارات النقدية الأخيرة وتأثيراتها على الأسواق الناشئة.
وفي 2 أبريل/نيسان الجاري قررت لجنة السياسة النقدية للبنك المركزي المصـري في اجتماعها الإبقاء على أسعار العائد الأساسية دون تغيير. وعليه، تقرر تثبيت سعري عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزي عند 19.00% و20.00% و19.50%، على الترتيب. كما تم الإبقاء على سعر الائتمان والخصم عند 19.50%.
ويأتي هذا القرار انعكاساً لرؤية اللجنة لآخر تطورات التضخم وتوقعاته منذ اجتماعها السابق.
وتوقع خبراء ومحللون مصرفيون تسارع وتيرة التضخم في مصر خلال الفترة المقبلة، مع ترجيحات بارتفاعه بنحو 2% إلى 3% في القراءة القادمة، مدفوعاً بعوامل خارجية، أبرزها تداعيات الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران وتسببها في قفزات عالمية بأسعار النفط والغاز.
ومن المرجح أن تؤثر هذه التطورات سلبا على الطلب الخارجي، مما يزيد من مخاطر التداعيات السلبية على النشاط الاقتصادي المحلي. ولا تزال التوقعات العالمية تتسم بعدم اليقين، إذ إن تأثير تلك التطورات على النمو الاقتصادي والتضخم يتوقف على حدة الصدمات الجيوسياسية ومدى استمرارها، إلى جانب انعكاساتها السلبية على سلاسل الإمداد.
إشادة وحذر
أشاد أستاذ التمويل بجامعة الزقازيق وعميد كلية التجارة الأسبق الدكتور محمد الشوادفي، بحكمة وقوة السياسة النقدية المصرية في التعامل مع المتغيرات الاقتصادية العالمية المتلاحقة.
وأوضح أن الدولة المصرية نجحت في بناء مصدات اقتصادية قوية تتمثل في نمو الاحتياطيات النقدية وتوافر الموارد الأساسية، مما مكنها من استيعاب الصدمات الأولية للأزمات الدولية الراهنة، لاسيما في قطاعي الطاقة وإمدادات سلاسل الإنتاج.
مستهدف التضخم عرضة لمخاطر متزايدة
فيما يتعلق بتطورات التضخم، ارتفع المعدل السنوي للتضخم العام إلى 13.4% في فبراير/شباط 2026 مقابل 11.9% في يناير/كانون الثاني 2026، كما زاد المعدل السنوي للتضخم الأساسي إلى 12.7% مقابل 11.2% خلال الفترة نفسها. وقد تخطت تطورات التضخم في فبراير/شباط الأنماط الموسمية المعتادة؛ إذ ارتفع تضخم مجموعة الخضروات والفواكه الطازجة تأثرا بالأنماط الاستهلاكية الموسمية المرتبطة بشهر رمضان المبارك، في حين ظلت أسعار السلع الغذائية الأخرى مستقرة إلى حد كبير.
وفيما يتعلق بالتوقعات، نتج عن حرب إيران تحقق المخاطر الصعودية التي وردت في بيان لجنة السياسة النقدية في فبراير/شباط 2026، مما أدى إلى عرقلة كل من الاستقرار النسبي الذي شهده التضخم في الآونة الأخيرة وإبطاء وتيرة مساره النزولي.
وانعكست آثار تلك المخاطر محلياً من خلال إجراءات ضبط الأوضاع المالية العامة وتقلبات سعر الصرف باعتباره أداة رئيسية لامتصاص الصدمات والحد من تأثيرها على النشاط الاقتصادي المحلي والاحتياطيات الدولية. وعليه، أصبح مسار التضخم ومستهدف البنك المركزي المصري البالغ 7% (± 2 نقطة مئوية) للربع الرابع من عام 2026 في المتوسط عُرضة لمجموعة متزايدة من المخاطر الصعودية، بما في ذلك احتمالية استمرار الصراع لفترة أطول وتجاوز أثر إجراءات ضبط الأوضاع المالية للتوقعات.
وتوقع الدكتور الشوادفي في تصريحات خاصة لـ"العين الإخبارية" أن تشهد معدلات التضخم العالمي قفزات ملموسة قد تتجاوز حاجز 8% كمتوسط عام، وذلك في حال استمرار التوترات الجيوسياسية الراهنة خلال الأشهر الستة المقبلة. وأشار إلى أن هذا الارتفاع سيلقي بظلاله بشكل مباشر على الاقتصادات الناشئة، نظراً لكونها دولاً مستوردة لمدخلات الإنتاج وتتأثر بشكل حاد بتذبذب أسعار الطاقة العالمية، خاصة في ظل الأزمات الحالية المرتبطة بممرات الطاقة الدولية مثل مضيق هرمز.
واعتبر الشوادفي أن قرار البنك المركزي بتثبيت أسعار الفائدة هو "إجراء محمود" يعكس القراءة الدقيقة لمعطيات الاقتصاد الوطني.
وأكد أن هذه الخطوة تمنح صانع القرار مساحة زمنية كافية (تصل إلى ثلاثة أشهر) لمراقبة مدى تأثير الأزمات الإقليمية والدولية على الأسواق المحلية، والتأكد من استقرار المسار الاقتصادي في مواجهة الموجات التضخمية المستوردة من الخارج.
من جانبها كشفت وكالة موديز في تقرير حديث لها أن الارتفاع الحاد في أسعار النفط، إلى جانب انخفاض الجنيه بنحو 10%، أدى إلى زيادة كبيرة في أسعار الوقود المحلية.
وأوضحت الوكالة أنه "بينما ستساعد هذه الزيادة، إلى جانب إجراءات توفير الطاقة التي أعلنتها السلطات، في احتواء الضغوط المالية، فإنها تهدد بعرقلة مسار تراجع التضخم وتأخير المزيد من التيسير في تكلفة الاقتراض المحلي".
توازن للاستقرار النقدي
في السياق ذاته يرى أستاذ الاقتصاد الدولي الدكتور علي الإدريسي، أن إبقاء البنك المركزي المصري على أسعار الفائدة دون تغيير خطوة تعكس نهجًا حذرًا يوازن بين احتواء الضغوط التضخمية والحفاظ على قدر من الاستقرار النقدي.
فبعد دورة من خفض أسعار الفائدة خلال العام الماضي، يبدو أن صانع السياسة النقدية يفضل التوقف مؤقتًا لتقييم التطورات، خاصة مع عودة بعض الضغوط على الأسعار محليًا وتأثر الاقتصاد بعوامل خارجية معقدة.
دائرة قلق
وفي حديثه لـ"العين الإخبارية" يعتقد الخبير الاقتصادي أن السبب الرئيسي وراء هذا التوجه يتمثل في أن التضخم، رغم تراجعه النسبي خلال فترات سابقة، لم يخرج تمامًا من دائرة القلق، بل بدأ في إظهار إشارات ارتفاع جديدة مدفوعة بزيادة أسعار الوقود وتكلفة النقل، فضلًا عن استمرار الضغوط العالمية الناتجة عن التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة.
كما أن تحركات سعر الصرف تظل عنصرًا حساسًا في معادلة القرار، حيث إن أي خفض جديد للفائدة قد يؤدي إلى زيادة الضغط على الجنيه، وهو ما قد ينعكس سريعًا على أسعار السلع المستوردة.
من هذا المنطلق، فإن تثبيت الفائدة في الوقت الحالي يمكن اعتباره قرارًا متوازنًا، إذ يمنح البنك المركزي فرصة لامتصاص الصدمات دون التسرع في اتخاذ خطوات قد تكون آثارها عكسية.
أما عن تأثير القرار على الاقتصاد والمواطن، فإن تثبيت الفائدة يعني استمرار ارتفاع تكلفة الاقتراض، سواء للأفراد أو الشركات، وهو ما قد يبطئ من وتيرة الاستثمار والاستهلاك.
وفي المقابل، يساعد هذا التوجه على الحد من تسارع التضخم، وهو ما يصب في مصلحة المواطن على المدى المتوسط، خاصة فيما يتعلق باستقرار أسعار السلع الأساسية.