بسام الشماع لـ«العين الإخبارية»: اكتشاف «حجر رشيد» جديد في مصر
اكتشاف أثري جديد في موقع أتريبس بمحافظة سوهاج لكنز معرفي فريد يتمثل في آلاف الشقافات (الأوستراكات).
ويرى خبراء أن (الأوستراكات) تقدم صورة واقعية للحياة اليومية في مصر القديمة، بعيدا عن الروايات الرسمية المنقوشة على جدران المعابد والمقابر.

ويقول المؤرخ والمحاضر الدولي بسام الشماع لـ«العين الإخبارية» إن "التاريخ الأكثر دقة في كثير من الأحيان لا نجده على جدران المعابد أو المقابر، بل في الشقافات"، موضحًا أن أغلب من كتب هذه النصوص كانوا من عامة الناس أو من طبقات اجتماعية عادية، ما يجعلها تعكس تفاصيل الحياة اليومية الحقيقية في المجتمع المصري القديم.
وأوضح الشماع أن هذه القطع الفخارية المكسورة كانت بمثابة "دفاتر يومية" للمصريين القدماء، حيث دوّن عليها الناس حساباتهم وإيصالات الضرائب وقوائم التسليم والتمارين التعليمية، بل وحتى الترانيم والصلوات الدينية. وبذلك فهي تقدم صورة نابضة بالحياة للمجتمع، بعيدا عن مبالغات النصوص الملكية أو الدعاية السياسية للحكام.

رقم قياسي عالمي
ووفقا لبيان صادر عن وزارة السياحة والآثار المصرية، فقد حقق موقع أتريبس رقما قياسيا عالميا في عدد الأوستراكات المكتشفة في موقع أثري واحد، متجاوزا ما عُثر عليه في قرية العمال والفنانين في دير المدينة، التي ظلت لسنوات طويلة المثال الأشهر على هذا النوع من الاكتشافات.
كما يُعد موقع أتريبس أغنى موقع في مصر بالأوستراكات المرتبطة بالأبراج الفلكية، حيث عُثر على أكثر من 130 قطعة تتناول هذا الموضوع.

نصوص تمتد لأكثر من ألف عام
وتحمل الشقافات المكتشفة نصوصا بلغات وخطوط متعددة، تمتد عبر فترة زمنية تتجاوز ألف عام. وتُعد أقدم النصوص إيصالات ضريبية مكتوبة بالخط الديموطيقي تعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد، بينما تعود أحدث النصوص إلى بطاقات أوانٍ مكتوبة باللغة العربية بين القرنين التاسع والحادي عشر الميلاديين.
وتُظهر الإحصاءات أن ما بين 60% و75% من الأوستراكات تحمل كتابات بالخط الديموطيقي، في حين تتراوح نسبة النصوص المكتوبة باليونانية بين 15% و30%. أما الرسومات التصويرية والهندسية فتمثل نحو 4% إلى 5% من القطع المكتشفة. كما توجد نسب أقل من النصوص بالخط الهيراطيقي (نحو 1.5%)، والهيروغليفي (0.25%)، واللغة القبطية (0.2%)، إضافة إلى نسبة ضئيلة من النصوص العربية تقارب 0.1%.

مركز ديني قديم
تقع منطقة أتريبس في نجع الشيخ حمد على بعد نحو سبعة كيلومترات غرب مدينة سوهاج، وكانت مدينة تابعة للإقليم التاسع من أقاليم مصر العليا، وعاصمته أخميم. وقد عُرفت المدينة قديمًا كمركز لعبادة المعبودة ربيت التي كانت تُصوَّر في هيئة أنثى الأسد وتُعرف بعين إله الشمس، وشكّلت ثالوثًا محليا مع المعبود مين والمعبود الطفل كولنثيس.

الصندوق الأسود للحضارة المصرية
ويصف الشماع الشقافات بأنها تشبه في أهميتها حجر حجر رشيد، لكنها لا تفك طلاسم اللغة فقط، بل تكشف تفاصيل الحياة اليومية للمصريين القدماء. ويضيف: "الشقافات هي الصندوق الأسود للحضارة المصرية، لأنها تسجل الأحداث الفعلية للحياة اليومية".

فمن خلال هذه القطع الصغيرة يمكن للباحثين تتبع تفاصيل الحياة: دفع الضرائب، وتمارين التلاميذ في المدارس، وملاحظات الكهنة، بل وحتى رسومات تجريبية لفنانين كانوا يختبرون أفكارهم قبل تنفيذها.
ويرى الشماع أن هذا الاكتشاف قد يكون من أهم الاكتشافات الأثرية في العصر الحديث، ويقارنه في أهميته باكتشاف بردية وادي الجرف التي كشفت تفاصيل عمل عمال بناء الهرم الأكبر.