أزمة الكهرباء في تونس.. الحرارة القياسية تكشف عن هشاشة قطاع الطاقة
تواجه تونس اختبارا صعبا مع موجة حر غير مسبوقة دفعت استهلاك الكهرباء إلى مستويات قياسية، ما أجبر السلطات على تطبيق انقطاعات مبرمجة لتفادي انهيار الشبكة الكهربائية الوطنية بالكامل.
تشهد تونس موجة حر استثنائية، تجاوزت خلالها درجات الحرارة معدلاتها الموسمية بما يتراوح بين 7 و12 درجة مئوية، فيما تلامس الحرارة القصوى 48 درجة مئوية. وقد وضع المعهد الوطني للرصد الجوي 12 محافظة تحت مستوى إنذار مرتفع يستوجب أقصى درجات اليقظة.
وقال الرئيس المدير العام للشركة التونسية للكهرباء والغاز، فيصل طريفة، في تصريحات إعلامية، الأربعاء، إن الانقطاعات المسجلة في التيار الكهربائي خلال هذه الفترة تعود بالأساس إلى الاستخدام المكثف لأجهزة تكييف الهواء، بالتزامن مع الارتفاع القياسي في درجات الحرارة.
وأوضح طريفة أن استهلاك الكهرباء خلال فترة الذروة، الممتدة بين الساعة الثانية والرابعة بعد الظهر، بلغ نحو 5 آلاف ميغاواط يوميا، بزيادة تقارب 30% مقارنة بمعدلات الاستهلاك الطبيعية.

وأضاف أن الشركة، حفاظا على التوازن بين الإنتاج والاستهلاك، تضطر بين الحين والآخر إلى تطبيق سياسة تخفيض الأحمال، عبر انقطاعات مبرمجة للتيار الكهربائي، بهدف حماية الشبكة الوطنية من الانهيار في ظل الطلب المرتفع.
مدة انقطاع الكهرباء
وأكد أن مدة انقطاع الكهرباء لا تتجاوز ساعة واحدة، مع استثناء المؤسسات الحيوية والاستراتيجية، مشيرا إلى أن هذا الإجراء وقائي ويهدف إلى تجنب حدوث انقطاع شامل للتيار الكهربائي على مستوى البلاد.
وأوضح أن أي انقطاع يتجاوز ساعة واحدة يكون غالبا ناتجا عن عطل فني، مؤكدا أن فرق الشركة تعمل على مدار الساعة لإصلاح الأعطال وإعادة التيار الكهربائي في أسرع وقت ممكن.

وأشار طريفة إلى أن موجة الحر الحالية لا تقتصر على تونس، بل تشمل معظم دول حوض البحر المتوسط، وهو ما انعكس أيضا على كميات الكهرباء المستوردة من الجزائر، التي أصبحت محدودة بسبب تعرضها للظروف المناخية نفسها.
وأضاف أن الانقطاعات الأخيرة جاءت نتيجة تزامن عدة عوامل، أبرزها الارتفاع الكبير في استهلاك أجهزة التكييف خلال ساعات الذروة، الممتدة بين الواحدة والخامسة مساء، داعيا المواطنين إلى ترشيد استهلاك الكهرباء خلال هذه الفترة لتخفيف الضغط على الشبكة.
دعوات للترشيد
كما كشف عن تسجيل عطل فني طارئ في إحدى المنشآت الطاقية بمنطقة سيدي عقبة شرقي الجزائر، موضحًا أن تونس تستفيد من اتفاقيات تبادل الطاقة مع الجزائر لدعم الشبكة الوطنية خلال فترات الذروة، وأن هذا العطل أدى إلى انخفاض كميات الكهرباء المتاحة، وزاد من الضغوط على المنظومة الكهربائية.
وجدد دعوته إلى المواطنين لترشيد استهلاك الكهرباء، خاصة خلال ساعات الذروة، بما يضمن استمرارية التزود بالطاقة ويحد من اللجوء إلى الإجراءات الاستثنائية الهادفة إلى الحفاظ على استقرار الشبكة الوطنية.
وكان مجلس نواب الشعب قد صادق، الثلاثاء، خلال جلسة عامة، على مشروعي القانونين المتعلقين باتفاقيتي ضمان قرضين لفائدة الشركة التونسية للكهرباء والغاز، بضمان من الدولة، للمساهمة في تمويل برنامج تحسين كفاءة وفاعلية وحوكمة قطاع الطاقة في تونس.

عجز الطاقة
قال الخبير الاقتصادي التونسي هيثم حواص، لـ"العين الإخبارية"، إن الانقطاعات المتكررة للكهرباء تعود أساسا إلى الارتفاع القياسي في درجات الحرارة، وما صاحبه من زيادة غير مسبوقة في استخدام أجهزة التكييف، الأمر الذي يدفع الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى اللجوء لقطع مبرمج للتيار الكهربائي، بهدف حماية الشبكة من الانهيار الكامل.
وأوضح أن تونس تعتمد على الغاز الطبيعي في إنتاج نحو 94% من الكهرباء، بينما تستورد أكثر من نصف احتياجاتها من الغاز لتشغيل محطات التوليد.
وأشار إلى أن الحل الجذري لهذه الأزمة يتطلب رؤية استباقية تقوم على الاستثمار في قطاع الطاقة، وإنشاء محطات إنتاج جديدة، وتسريع التحول نحو الطاقات المتجددة، إلى جانب تعزيز برامج كفاءة الطاقة، واعتماد معايير بناء تقلل من استهلاك الكهرباء.
وأضاف أن عجز قطاع الطاقة يقدر بنحو 3.8 مليار دولار، بما يعادل 51% من إجمالي العجز التجاري للبلاد، وهو ما يحد من قدرة الدولة على توفير كميات الغاز اللازمة لتشغيل محطات الكهرباء بكامل طاقتها، ويجعل المنظومة أكثر عرضة للاهتزاز عند حدوث أي اضطراب خارجي.
إجراء وقائي
من جانبه، أوضح عضو الجامعة العامة للكهرباء والغاز، إلياس بن عمار، لـ"العين الإخبارية"، أن القطع الدوري للكهرباء يمثل إجراءً وقائيًا واستباقيًا يهدف إلى تحقيق التوازن داخل الشبكة الوطنية، وتجنب انهيارها أو الوصول إلى انقطاع شامل للكهرباء في مختلف محافظات البلاد.
وأضاف أن الارتفاع القياسي في درجات الحرارة تسبب في زيادة غير مسبوقة في استهلاك الكهرباء، مشيرًا إلى أن فترات الذروة لم تعد تقتصر على ساعات النهار، بل امتدت أيضًا إلى الفترة الليلية، ما يفرض أحيانًا اللجوء إلى تخفيف الأحمال.
وأكد أن هذا الإجراء معمول به في عدد من الدول، وليس مقتصرًا على تونس، موضحًا أن موجات الحر تفرض ضغوطًا كبيرة على المولدات والمحولات الكهربائية، وهو ما يؤدي في بعض الأحيان إلى أعطال موضعية تستدعي تدخل الفرق الفنية لإصلاحها.
ودعا المواطنين إلى ترشيد استهلاك الكهرباء، خاصة خلال فترات الذروة، وتجنب تشغيل الأجهزة الكهربائية غير الضرورية، مؤكدًا أن الكهرباء ليست مجرد سلعة، بل خدمة عمومية أساسية تستوجب رؤية وطنية متكاملة لضمان استدامة قطاع الطاقة.
وتظهر البيانات الرسمية تسارعًا واضحًا في نمو الطلب على الكهرباء خلال العقد الأخير، إذ ارتفع الاستهلاك الأقصى من 3465 ميغاواط في يوليو/تموز 2014 إلى 4837 ميغاواط في يوليو/تموز 2025، بزيادة بلغت 1372 ميغاواط.
كما تتوقع الشركة التونسية للكهرباء والغاز أن تصل ذروة الاستهلاك خلال صيف 2026 إلى نحو 5200 ميغاواط، مقارنة بـ4825 ميغاواط خلال صيف العام الماضي.
إنتاج الكهرباء في تونس
ويعتمد قطاع الكهرباء في تونس بصورة شبه كاملة على الغاز الطبيعي، الذي يمثل أكثر من 97% من مزيج إنتاج الكهرباء، فيما تؤمن الشركة التونسية للكهرباء والغاز نحو 99% من الإنتاج الوطني، مقابل مساهمة محدودة للقطاع الخاص.
وتتزامن هذه الضغوط مع تفاقم عجز الميزان التجاري الطاقي، الذي ارتفع بنسبة 19% خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026، ليبلغ 4.22 مليار دينار، مقابل 3.55 مليار دينار خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
كما ارتفعت قيمة واردات الطاقة بنسبة 23%، رغم زيادة الصادرات الطاقية بنسبة 41%، ما يعكس استمرار اعتماد البلاد على الواردات لتلبية احتياجاتها من الطاقة.