أزمة ديون تهدد الأمن الدوائي في تونس.. الصيدليات تدق ناقوس الخطر
تتفاقم الضغوط على المنظومة الصحية التونسية مع تصاعد الأزمة المالية بين مؤسسات القطاع الصحي والصناديق الاجتماعية، ما يثير مخاوف متزايدة من اضطراب توفير الأدوية وتعطل الخدمات العلاجية للمواطنين.
تواجه تونس أزمة حادة تنعكس بشكل مباشر على وفرة الأدوية، في ظل معاناة الصيدليات الخاصة، وموزعي الأدوية بالجملة، ومختبرات التحاليل، من اختناق مالي نتيجة تراكم مستحقاتهم لدى الصندوق الوطني للتأمين على المرض، وهو صندوق اجتماعي حكومي.
ودفع هذا الوضع الهيئة الوطنية للصيادلة بتونس إلى عمل خلية أزمة للتحذير من التداعيات الخطيرة التي تهدد الأمن الدوائي للمواطنين.
وأكد أعضاء المجلس الوطني لهيئة الصيادلة، في بيان، أن تفاقم الإشكاليات المالية بين مهنيي القطاع الصحي الخاص والصندوق الوطني للتأمين على المرض بات يهدد الأمنين الدوائي والصحي في البلاد.
وحذر المجلس من خطورة الأزمة التي يشهدها القطاع الصحي الخاص في علاقته بالصندوق، مشيرًا إلى أن هذا التحذير يأتي في ظل التصعيد الذي أعلنته الهياكل المهنية، وفي مقدمتها النقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة، التي لوّحت بإيقاف التعامل بمنظومة التأمين الصحي بداية من الأربعاء، إلى جانب دعوة النقابة التونسية للبيولوجيين الخواص إلى عقد جلسة عامة للنظر في أزمة استخلاص مستحقات المخابر.
اجتماع عاجل
وأوضح البيان أن رئيس المجلس الوطني لهيئة الصيادلة، مصطفى العروسي، عقد اجتماع عمل عاجل ضم رئيس النقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة، ورئيس النقابة التونسية للبيولوجيين الخواص، ورئيس الغرفة الوطنية لموزعي الأدوية بالجملة، لبحث تداعيات الأزمة.
وأكد المشاركون في الاجتماع أن التأخير المتواصل في صرف مستحقات المتدخلين في منظومة الدواء والخدمات البيولوجية أدى إلى اختناق مالي حاد، يهدد استمرارية نشاطهم.
وحذر المجتمعون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تعطّل توزيع الأدوية بالجملة، بما يهدد استمرارية السلسلة العلاجية، ويؤثر في حق المرضى في الحصول على العلاج، وفقًا لما ورد في البيان.
ودعت الهياكل المهنية سلطة الإشراف وجميع الجهات المعنية إلى التدخل العاجل، وتحمل مسؤولياتها، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بضمان استمرارية المرفق الصحي، وتفادي شلل القطاع.
كما أعلن المجلس الوطني لهيئة الصيادلة إحداث خلية أزمة تبقى في حالة انعقاد دائم، لمتابعة تطورات الملف، ورصد مدى التقدم في معالجته، وتنسيق الخطوات المقبلة بما يضمن حماية المنظومة الصحية والحفاظ على مصلحة المرضى.
ويواجه الصندوق الوطني للتأمين على المرض عجزًا ماليًا متفاقمًا نتيجة ارتفاع كلفة العلاج، وتزايد عدد المنتفعين بخدماته، مقابل محدودية مساهمات الدولة، إضافة إلى صعوبات تحصيل مستحقاته لدى المؤسسات العامة والخاصة.
وأدى هذا الوضع إلى تأخر الصندوق في سداد مستحقات الأطباء والصيادلة والمصحات الخاصة، ما تسبب في حالة من الاحتقان داخل القطاع الصحي.
ويخشى المنتفعون بخدمات الصناديق الاجتماعية في تونس أن يتحول المرضى إلى أكبر المتضررين من الأزمة، في ظل احتمال مواجهة صعوبات في الحصول على الأدوية، أو رفض بعض المصحات والأطباء التعامل ببطاقات العلاج، الأمر الذي يزيد الأعباء المالية على الأسر.
أزمة مالية
من جانبه، أكد الكاتب العام للنقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة، محمد صالح الكداشي، أن النقابة وجدت نفسها مضطرة إلى إيقاف قبول التكفل بوصفات المنتفعين بالصندوق الوطني للتأمين على المرض، اعتبارًا من الأربعاء الموافق 1 يوليو/تموز.
وقال، في تصريحات لـ"العين الإخبارية"، إن هذا القرار جاء على خلفية إخلال الصندوق بالاتفاق الرسمي المتعلق بسداد المستحقات المتخلدة بذمته لفائدة أصحاب الصيدليات، والذي انتهى أجله في 30 يونيو/حزيران، وتبلغ قيمته 80 مليون دينار تونسي، أي ما يعادل نحو 26 مليون دولار.
وأضاف أن الصيادلة سيجدون أنفسهم مضطرين إلى وقف قبول وصفات المنتفعين بالصندوق، لعدم قدرتهم على مواصلة توفير الأدوية في ظل غياب السيولة اللازمة.
واعتبر أن عدم التزام الصندوق بتنفيذ تعهداته يمثل تخليًا عن المنتفعين بخدماته، وقطعًا للعلاقة من جانب واحد.
وأعرب الكداشي عن أمله في أن يتحمل الصندوق مسؤوليته، ويوفر السيولة المالية اللازمة لتسوية الوضع، مؤكدًا أن كل طرف مطالب بالوفاء بالتزاماته، إذ يتولى الصيدلي توفير الدواء، فيما يلتزم الصندوق بسداد مستحقاته في الآجال المحددة.
أزمة الصناديق الاجتماعية
تشهد الصناديق الاجتماعية في تونس أزمة مالية حادة انعكست بصورة مباشرة على حياة المواطنين، من خلال تراجع خدمات المرافق العمومية، ولا سيما في قطاع الصحة، فضلًا عن تفاقم أزمة نقص الأدوية.
وتدور هذه الأزمة في حلقة مفرغة تعكس تشابك الديون والمشكلات بين الصناديق والقطاعات المرتبطة بها، إذ يعاني كل من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية من ديون متراكمة تجاه الصندوق الوطني للتأمين على المرض.
وفي المقابل، يواجه الصندوق الوطني للتأمين على المرض أزمة سيولة تمنعه من الوفاء بالتزاماته تجاه الصيدلية المركزية، التي تعاني بدورها أزمة مالية خانقة أثرت في قدرتها على سداد مستحقات مختبرات وشركات الأدوية العالمية، ما تسبب في تراجع واردات عدد من الأدوية الحيوية وظهور نقص في توافرها داخل السوق التونسية.