تغير المناخ يحوّل موجات الصيف في أوروبا إلى أزمات صحية واقتصادية
لم تعد موجات الحر أحداثا موسمية عابرة، بل أصبحت اختبارا لقدرة الدول على حماية مواطنيها واقتصاداتها، وسط تحذيرات متزايدة من تفاقم آثار تغير المناخ وتسارع وتيرة الظواهر الجوية المتطرفة.
وفي ظل موجات الحر التي تجتاح أوروبا وارتفاع معدلات الوفيات، تزداد الحاجة إلى تفعيل آليات التكيف مع التغيرات المناخية، بعدما تحولت درجات الحرارة القياسية إلى تهديد مباشر للصحة العامة والاقتصاد والبنية التحتية.
وبحسب أحدث التطورات، شهدت أوروبا ارتفاعا غير مسبوق في درجات الحرارة، إذ تعرضت القارة، التي تضم بعض أراضيها أجزاء من القطب الشمالي، لموجة حر واسعة امتدت من غربها مرورا بوسطها وصولا إلى شرقها.
وتجاوزت درجات الحرارة 40 درجة مئوية في مناطق عدة من إيطاليا وصربيا ورومانيا والمجر، فيما سجلت سلوفاكيا أعلى درجة حرارة في تاريخها بلغت 40.5 درجة مئوية.
كما تضررت فرنسا بشدة، حيث سُجلت أكثر من 1000 حالة وفاة مرتبطة بارتفاع درجات الحرارة، معظمها بين كبار السن، ما دفع الحكومة إلى الإبقاء على أعلى مستويات خطة الطوارئ الصحية تحسبًا لموجات حر جديدة.
وفي إيطاليا، وُضعت عشرات المدن تحت حالة الإنذار القصوى بسبب الحرارة المرتفعة، في حين تجاوزت درجات الحرارة في بعض مناطق الولايات المتحدة الأمريكية حاجز 46 درجة مئوية.
تغير المناخ
قد تبدو هذه الدرجات مألوفة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي اعتاد سكانها على المناخ الصحراوي الحار، إلا أن الوضع يختلف في أوروبا ودول الشمال، التي تأقلمت تاريخيا مع البرودة وانخفاض درجات الحرارة.
ويؤكد العلماء أن موجة الحر الحالية كانت لتصبح مستحيلة الحدوث في أوروبا لولا تأثيرات التغير المناخي الناتجة عن الأنشطة البشرية، وهو ما يعكس أن أزمة المناخ لم تعد مجرد ظاهرة بيئية، بل تحولت إلى تهديد مباشر لصحة الإنسان، ما لم تُتخذ إجراءات فعالة للتكيف مع الواقع المناخي الجديد، الذي يتسم بارتفاع درجات الحرارة وتزايد حرائق الغابات، بما يهدد الاقتصادات الوطنية.
ويمكن تبسيط تأثير التغير المناخي على النحو التالي؛ فالطقس يعبر عن حالة الغلاف الجوي، مثل درجات الحرارة والأمطار والرياح، خلال فترة زمنية قصيرة تمتد من يوم إلى أسبوع، بينما يُمثل المناخ متوسط حالة الطقس خلال فترات زمنية طويلة تمتد لعقود.
ومنذ الثورة الصناعية، ارتفع متوسط درجة حرارة الأرض بما يتراوح بين 1.2 و1.3 درجة مئوية. ورغم أن الرقم يبدو محدودا، فإن تأثيره بالغ العمق، إذ تزداد شدة موجات الحر كلما ارتفع متوسط حرارة الكوكب.
وأشار تقرير "فجوة الانبعاثات" الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 إلى احتمال ارتفاع متوسط درجات الحرارة العالمية إلى 2.8 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، إذا استمرت الدول في تطبيق سياساتها المناخية الحالية، وهو ما يعني زيادة تواتر موجات الحر وارتفاع كلفة التكيف مع آثارها.
حاجة إلى التكيف
تؤثر موجات الحر الحالية في معظم القطاعات، وعلى رأسها القطاع الصحي، إذ أدى ارتفاع درجات الحرارة إلى زيادة الوفيات في عدد من الدول الأوروبية خلال الأيام الماضية، ودفع الحكومات إلى رفع مستويات التأهب الصحي استعدادا لأي حالات طوارئ مرتبطة بالحرارة.
وفي المقابل، لم يشهد ملف التكيف مع التغير المناخي تقدمًا ملموسا خلال آخر جولات مفاوضات الأطراف الموقعة على اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC)، التي عُقدت في مدينة بون الألمانية خلال يونيو/حزيران الماضي، حيث خرجت الأطراف المشاركة دون التوصل إلى نص توافقي بشأن الهدف العالمي للتكيف (GGA).
وفي هذا السياق، قالت منسقة الحملات في تحالف المناخ والصحة العالمي، شويتا نارايان لـ"العين الإخبارية": "إن موجات الحر الحالية تؤكد أن تغير المناخ يمثل حالة طوارئ صحية عامة قائمة بالفعل، وليس تهديدا مستقبليا".
وأضافت: "تفرض موجات الحر الشديدة ضغوطا هائلة على المستشفيات، وتعرض الفئات الأكثر هشاشة للخطر، كما تكشف أوجه عدم المساواة في السكن وظروف العمل وإمكانية الوصول إلى وسائل التبريد.
وتحذر منظمة الصحة العالمية من أن موجات الحر أصبحت أكثر تكرارًا وأشد وطأة مع تفاقم تغير المناخ".
ويُذكر أن الدورة الثامنة والعشرين لمؤتمر الأطراف بشأن تغير المناخ (COP28)، التي استضافتها إكسبو دبي في دولة الإمارات العربية المتحدة عام 2023، كانت أول مؤتمر مناخي يضع الصحة في صدارة أجندته، وشهد مشاركة واسعة من المنظمات الصحية العالمية، التي أكدت ضرورة إدماج القطاع الصحي في خطط العمل المناخي.
كما سلط المؤتمر الضوء على أن القطاع الصحي مسؤول عن نحو 5% من إجمالي انبعاثات الغازات الدفيئة عالميًا، ما يستوجب تعزيز استدامته من خلال الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، واستخدام مواد بناء صديقة للبيئة، وتطوير البنية التحتية الصحية بما يمكنها من مواجهة الآثار الصحية المتزايدة للتغيرات المناخية.
وأوضحت نارايان: "يؤكد تحالف المناخ والصحة العالمي ضرورة اعتبار التكيف أحد أشكال الحماية الصحية، ويشمل ذلك إعداد خطط صحية لمواجهة موجات الحر، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، وإنشاء أماكن عامة مبردة، وحماية العمال، وتعزيز جاهزية المستشفيات، وزيادة المساحات الخضراء داخل المدن، وتقديم الدعم الاجتماعي للفئات الأكثر عرضة للخطر".
وأضافت أن التكيف وحده لا يكفي، فكل موجة حر جديدة تؤكد الحاجة الملحة إلى الإسراع في التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، باعتباره المسبب الرئيسي لأزمة المناخ.