تونس ترسم خريطة 2030.. البرلمان يناقش أكبر خطة تنموية لتحقيق العدالة الاجتماعية
تفتح تونس صفحة اقتصادية جديدة عبر خطة تنموية شاملة تراهن على الإصلاح والاستثمار لبناء اقتصاد أكثر مرونة واستدامة.
انطلق البرلمان التونسي، الثلاثاء، في مناقشة مشروع مخطط التنمية 2026-2030، بحضور وزير الاقتصاد والتخطيط، سمير عبد الحفيظ، في خطوة تمثل محطة مفصلية لرسم التوجهات الاقتصادية والاجتماعية للبلاد خلال السنوات الخمس المقبلة.
ووفقًا لوثيقة المخطط، يهدف المشروع إلى إرساء نموذج اقتصادي أكثر مرونة، وتحقيق ديمقراطية اقتصادية تضمن التوزيع العادل للثروات، إلى جانب الارتقاء بنسق النمو من خلال دعم القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، وفي مقدمتها الفلاحة، والصناعات المعملية، وقطاع الفوسفات.
كما يستهدف المخطط توسيع مظلة الحماية الاجتماعية، وتعزيز تكافؤ الفرص في النفاذ إلى التعليم، والصحة، وفرص العمل اللائق، فضلا عن توجيه الاستثمارات نحو المناطق الأقل تنمية للحد من الفوارق، وتعزيز قدرة الاقتصاد التونسي على مواجهة الصدمات الدولية وتقلبات سلاسل التوريد، والتوجه نحو اقتصاد متعدد الأقطاب.
ويتضمن المخطط نحو 50 ألف مقترح مشروع تنموي نابع من المقاربات المحلية، بما يعكس اعتماد منهجية تشاركية في إعداد أولويات التنمية.
وكانت رئيسة الحكومة التونسية، سارة الزعفراني، قد أكدت مؤخرا أن مخطط التنمية 2026-2030 يمثل نقطة تحول في تونس، كونه أُعد لأول مرة وفق منهجية تشاركية.
وأضافت أن المخطط يشكل الإطار المرجعي الأنسب لتجسيد الخيارات الاقتصادية والاجتماعية للدولة، وإرساء نموذج تنموي عادل يقطع مع سياسات الماضي، ويدفع بالإصلاحات الهيكلية لخلق الثروة، بما يضمن تحقيق نمو اقتصادي شامل، وعدالة اجتماعية، وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين في مختلف جهات البلاد.

وثيقة مرجعية
من جانبه، قال رئيس لجنة التخطيط بالبرلمان التونسي، صابر الجلاصي، في تصريحات لـ"العين الإخبارية"، إن مخطط التنمية 2026-2030 يرتكز على ترسيخ العدالة الاجتماعية، من خلال تعزيز الإدماج في مجالي الصحة والتعليم، وتكريس الدور الاجتماعي للدولة.
وأكد الأهمية الاستراتيجية للمخطط باعتباره وثيقة مرجعية تحدد التوجهات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للبلاد خلال السنوات المقبلة، وتمس مختلف الجهات والفئات الاجتماعية.
وأوضح أن الإطار العام للمخطط يستند إلى سياسات اقتصادية واجتماعية تستهدف تطوير البنية التحتية، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وتوجيه الاستثمارات، والارتقاء بجودة الحياة، وتحسين الخدمات الأساسية المقدمة للمواطنين.
وأشار إلى أن النقاشات ستتواصل خلال جلسات الاستماع المخصصة لوزير الاقتصاد، والتي انطلقت الثلاثاء، بما يتيح استكمال دراسة مختلف محاور المخطط وصياغة التوصيات الكفيلة بدعم أهدافه ومتابعة تنفيذ برامجه.
وكشف الجلاصي أنه تم تنظيم أكثر من 9000 جلسة في مختلف أنحاء الجمهورية لاستخلاص المشاريع التنموية من الأحياء وتحديد احتياجات كل إقليم وفق خصوصياته، مشيرًا إلى أن المجالس المحلية المنتخبة قدمت أكثر من 35 ألف مقترح.
وشدد على ضرورة استعادة ثقة المستثمرين الأجانب، وتشجيع تدفق الاستثمارات عبر سن تشريعات ملائمة، وإقرار حوافز جاذبة للاستثمار.
كما دعا إلى التركيز على خلق الثروة، وتحسين مناخ الأعمال، وتسريع وتيرة الرقمنة، باعتبارها من الركائز الأساسية لإنجاح المرحلة التنموية المقبلة.
توجهات المخطط
من جهته، قال أستاذ الاقتصاد التونسي، معز السوسي، لـ"العين الإخبارية"، إن مخطط التنمية يقوم على 5 توجهات استراتيجية رئيسية، تتمثل في تحقيق تنمية اجتماعية عادلة وشاملة، وتعزيز التنمية المتوازنة وتقليص الفوارق بين المناطق، وتحديث الاقتصاد والبنية التحتية، ودعم الاقتصاد القائم على المعرفة، إضافة إلى تعزيز الأمن الطاقي والمائي والغذائي، وحماية البيئة.
وأوضح أن الدولة ستتكفل، وفقا للمخطط، بتمويل 61% من إجمالي الاستثمارات، مؤكدا أهمية تفعيل قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص لتخفيف العبء المالي عن ميزانية الدولة، وتحسين نسب إنجاز المشاريع.
وأضاف أن المخطط يستهدف تحقيق معدل نمو اقتصادي يبلغ 4.2%، وهو هدف وصفه بالطموح، ويتطلب تعبئة استثمارات كبيرة، وتحسين مناخ الأعمال، وتعزيز مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي.
وأشار إلى أن المخطط يهدف أيضا إلى رفع مساهمة الطاقات المتجددة إلى 35% بحلول عام 2030، وتقليص استهلاك المياه بنسبة 30%، وهو ما يستدعي استثمارات كبيرة في البنية التحتية المائية والطاقية.
وبيّن أن قطاع البنية التحتية والخدمات يستحوذ على 43.7% من إجمالي الاستثمارات، يليه قطاع التجهيزات بنسبة 27.5%، ثم الصناعة والطاقة والمناجم بنسبة 17.5%، فيما تبلغ حصة القطاع الفلاحي 11.3% من إجمالي الاستثمارات المستهدفة.