شهدت الأسواق المالية العالمية هزة عنيفة على مدار الأيام الثلاثة الماضية، إثر موجة بيع مكثفة طالت أسهم شركة «سبيس إكس» (SpaceX).
وأدى ذلك إلى تآكل نحو 928 مليار دولار من قيمتها السوقية منذ ذروتها التاريخية في منتصف يونيو/حزيران الجاري.
هذه الخسائر القياسية ألقت بظلالها مباشرة على ثروة مؤسس سبيس إكس، التريليونير إيلون ماسك، الذي فقد أكثر من 300 مليار دولار من صافي ثروته، ليتراجع من قمة 1.45 تريليون دولار إلى نحو 1.1 تريليون دولار، وإن كان لا يزال يحتفظ بلقبه الفريد كأول تريليونير في العالم.
وبهذا التراجع الإجمالي، هبطت القيمة السوقية لـ "سبيس إكس" إلى نحو 2 تريليون دولار بعد أن لامست 2.99 تريليون دولار، لتتراجع من المرتبة الرابعة عالمياً (متفوقة لفترة وجيزة على أمازون ومايكروسوفت) لتستقر في المركز السابع مباشرة خلف شركة "تي إس إم سي" (TSMC) لإنتاج أشباه الموصلات.
سقوط حر
وكان يوم الإثنين وحده كفيلاً بتبديد 152 مليار دولار من ثروة ماسك الشخصية، نظراً لاستحواذه على حصة ضخمة تُقدر بنحو 38% من الشركة، تشمل 4.8 مليار سهم، بالإضافة إلى 350 مليون خيار أسهم بأسعار تنفيذ تفضيلية. وتشير الحسابات المستندة إلى بيانات الانخفاض المعلنة إلى أن ثروة ماسك تراجعت بمعدل يقارب 53.8 مليار دولار في الساعة خلال جلسة التداول، أي ما يعادل نحو 897 مليون دولار في الدقيقة، وذلك وفقًا للتقديرات المبنية على حركة السوق خلال تلك الفترة.
معايير الحوكمة وضربة التصنيف الاستدامي
جاء سقوط سعر السهم مدفوعا بتقرير صادم من مؤسسة "إم إس سي آي" (MSCI)، إحدى أكبر الشركات المزودة لمؤشرات الأسواق في العالم، والتي منحت "سبيس إكس" تصنيف (CCC) -وهو الأدنى على مقياس الاستدامة المكون من سبع درجات. وأوضحت المؤسسة أن الشركة "تتخلف عن الركب في قطاعها" بسبب ضعف إدارتها للمخاطر البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات (ESG).
سندات لتمويل قرض
ويعود أصل الاضطراب إلى الأسبوع الماضي، عندما أعلنت الشركة عن الاستحواذ على شركة الذكاء الاصطناعي البرمجي "كورسور" (Cursor) في صفقة تبادل أسهم بالكامل قُدرت قيمتها بنحو 60 مليار دولار.
ورغم أن السهم كان قد قفز بنسبة 67% فوق سعر الاكتتاب الأولي البالغ 135 دولاراً بفضل الطلب القياسي، إلا أن صفقة "كورسور" أثارت مخاوف الحذر لدى المستثمرين.
وكانت مؤسسة "مورنينج ستار" للبحوث المالية قد انتقدت الصفقة بشدة، واصفة إياها بـ "التخفيف الضخم" للقيمة، وأبقت على نظرتها المتشائمة تجاه السهم معتبرة إياه "مقوماً بأكثر من قيمته الحقيقية"، كما خفضت تقديرها للقيمة العادلة للسهم إلى 62 دولاراً.
وفي سياق متصل، حذر خبراء استراتيجيون، مثل إيبك أوزكاردينسكايا من "سويس كوت"، من تحول "سبيس إكس" إلى ما يشبه "أسهم الميم" (Meme Stocks)، حيث يشتري المستثمرون السهم فقط بناءً على توقعات بأن الآخرين سيشترون ويدفعون الأسعار للأعلى، دون استناد حقيقي للمؤشرات المالية الأساسية، لا سيما مع سيطرة ماسك المطلقة على القوة التصويتية.
تحالف رقمي بمليارات الدولارات
ووفقاً للبيانات المألوفة في وول ستريت، تراجع سهم "سبيس إكس" في تعاملات الإثنين بنسبة بلغت 16.4%، ليغلق دون مستوى 155 دولاراً، وهو ما يقل عن سعر الإغلاق في يومه الأول بالبورصة والبالغ 160 دولاراً. ويعكس هذا الهبوط تراجعاً إجمالياً بنسبة تجاوزت 31% منذ أن سجل السهم أعلى مستوياته على الإطلاق عند 225.64 دولاراً في 16 يونيو/حزيران.
بالتزامن مع ذلك، أعلنت "سبيس إكس" عن توجهها لإصدار سندات لجمع أموال بهدف إعادة تمويل قرض قصير الأجل، في خطوة فسرها المحللون على أنها محاولة لتجنب طرح أسهم جديدة قد تزيد من تخفيف حصص المساهمين الحاليين.
ورغم النزيف الحاد، حملت الأنباء جانباً إيجابياً؛ حيث كشفت تقارير عن توقيع "سبيس إكس" عن اتفاقية حوسبة ضخمة مع شركة الذكاء الاصطناعي الناشئة "ريفليكشن آي آي" (Reflection AI) بقيمة قد تصل إلى 6.3 مليار دولار. وبموجب الاتفاقية، ستدفع الشركة الناشئة 150 مليون دولار شهرياً لـ "سبيس إكس" بدءاً من يوليو/تموز 2026 وحتى عام 2029، مقابل استخدام رقائق "إنفيديا" (Nvidia GB300) المتطورة لتدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي.