«إليزيه أودينو».. خطوة استراتيجية لا تنهي أزمة كاليدونيا الجديدة
في محاولة لتخفيف التوتر السياسي مع السلطات المحلية في كاليدونيا الجديدة، وقع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اتفاق «إليزيه أودينو» التكميلي.
وجاء الاتفاق بعد سلسلة أزمات وصراعات اجتماعية وسياسية اندلعت في الإقليم الفرنسي بالمحيط الهادئ منذ مايو/أيار 2024، نتيجة خلافات حول تعديلات بهيئة الناخبين ومطالب بالاستقلال.
ورغم وصف باريس للاتفاق بأنه خطوة استراتيجية نحو المصالحة، يشير خبراء لـ«العين الإخبارية» إلى أن الاتفاق، رغم أهميته، لا يعالج جذور الانقسام بين مكونات الإقليم، ولا يضمن مشاركة الحركة الاستقلالية الرئيسية "FLNKS" في عملية اتخاذ القرار.
ويتضمن الاتفاق الجديد نقل صلاحيات محددة للإقليم، ويؤكد على حق كل شخص في كاليدونيا الجديدة في تقرير مصيره ضمن إطار دستوري محدد، لكنه يبقي القضايا الكبرى مثل الدفاع والسيادة الاقتصادية تحت سيطرة باريس، ما يجعل التحديات مستمرة على الأرض.
وأعلن ماكرون الإثنين توقيع اتفاق تكميلي لاتفاق بوغيفال بشأن مستقبل الإقليم المؤسسي لكاليدونيا الجديدة، وذلك في تسجيل مصوَّر نشره الإليزيه عن اجتماع جمعه مع قوى سياسية من الإقليم.
ويطلق على هذا الاتفاق اسم “اتفاق إليزيه أودينو”، وهو مكمل لما تم توقيعه في بوغيفال في يوليو/تموز 2025، ويتناول بشكل خاص قضية حساسة مرتبطة بـ إلغاء تجميد هيئة الناخبين في الإقليم، وهي مسألة كانت في صلب الأزمات التي أدت إلى أعمال عنف واسعة في مايو/أيار 2024.
وخلال عدة أيام من الاجتماعات التي قاطعتها الحركة الاستقلالية الرئيسية، "FLNKS"، أعلن ماكرون أيضًا عن توقيع بروتوكول مالي في المساء، وعن عمل حكومي قادم لضمان انعكاس هذه الاتفاقات في نصوص الميزانية، بحسب شبكة "سي نيوز " الفرنسية.
وينص اتفاق بوغيفال الأصل، الموقع في 12 يوليو/تموز 2025 على إقامة “دولة كاليدونية” تدرج ضمن الدستور الفرنسي، وتتمتع بجنسية خاصة بها وربما تُعترف بها دوليًا، لكنه لا يمنح سيادة كاملة لإقليم كاليدونيا الجديدة عن فرنسا، الأمر الذي دفع الحركة الاستقلالية إلى رفضه.
وفي نص الاتفاق التكميلي، يتعهد الموقعون مع الدولة بـ “تشجيع مسار مصالحة الذاكرة” بين الشعب الكاناكي (السكان الأصليين) والمجتمعات الأخرى، ويؤكدون حق كل كاليدوني في الاعتراف بطموحاته السياسية ودعم ممارسة حق تقرير المصير.
وكاليدونيا الجديدة أرخبيل أو مجموعة جزر تقع فيما وراء البحار في جنوب غرب المحيط الهادئ ضمن الأراضي الفرنسية، وتعد همزة وصل بين أمريكا الشمالية وأستراليا، وهي أقرب إلى الأخيرة، ما يمنحها موقعا جيوسياسيا مهما.
وتعقيبا على ذلك، قال أستاذ العلاقات الدولية بجامعة باريس، بانتيون سوربون جون كريستوف جاي، لـ" العين الإخبارية " إن الاتفاق يمكن أن يكون حجر أساس لتقليص التوتر، لكنه غير كافٍ بحد ذاته.
ويرى أن اتفاق إليزيه أودينو خطوة دبلوماسية هامة، لكنه ليس حلاً جذريًا للأزمة لأنه تم بدون مشاركة الفصيل الاستقلالي الرئيسي (FLNKS) الذي يمثل غالبية مطالب الاستقلال في الإقليم، موضحاً أن هذا يعني عمليًا أن الاتفاق لا يعالج جذور الشرخ السياسي والاجتماعي.
واعتبر أن الاتفاق دون مشاركة FLNKS في صياغة الاتفاق وتبنيه يصعب أن يُحوَّل إلى إجماع محلي دائم.
كما اعتبر أن مصطلحات مثل "مصالحة الذاكرة" و “الحق في تقرير المصير” تبقى غامضة إذا لم تغرس أخلاقيًا عبر خطوات واضحة في القانون المحلي، لا سيما في عملية إعادة تشكيل هيئة الناخبين.
ووفقاً للخبير السياسي فإنه رغم أن الاتفاق يعد بتمكين نقل صلاحيات، تبقى القضايا الكبرى (الدفاع، العلاقات الخارجية، السيادة الاقتصادية) بيد باريس حتى إشعار آخر، وهو ما يحدّ من شعور الاستقلاليين بالإنصاف.
وأشار إلي أن الاتفاق يوفر مساحة للتفاوض، لكنه لا ينهي الأزمة ما لم ينجح في دمج FLNKS في العملية السياسية وإعادة صياغة الاتفاق ليعكس طموحات جميع الكاليدونيين.
بدوره، قال الباحث في شؤون ما وراء البحار والمؤسسات الدستورية في معهد العلوم السياسية بليون بنوا آنتيوم لـ" العين الإخبارية" إن التكتيك الفرنسي يجب أن يتجاوز النص القانوني إلى بناء الثقة على الأرض".
وشدد آنتيوم على أن الهدف الاستراتيجي لباريس في كاليدونيا الجديدة لا يقتصر على تسوية نزاع سياسي، بل هو ضمان استقرار طويل الأمد في منطقة المحيط الهادئ وتحقيق نموذج حكم مرن من خلال دولة ضمن الجمهورية الفرنسية.
ورأي الخبير الفرنسي المتخصص في شؤون ما وراء البحار أن إدراج “دولة كاليدونيا” في الدستور الفرنسي يسهم في إعطاء تسوية قانونية ودستورية، لكنه لا يكفي لتهدئة مشاعر من يشعرون بظلم تاريخي أو يرغبون في استقلال تام.
كما اعتبر أن عناصر الاتفاق حول المواطنة الكاليدونية الخاصة قد تكون جسرًا للمصالحة الطويلة المدى إذا أدرجت ضمن سياسات اجتماعية واقتصادية داعمة توفر فرص عمل وتحسّن مستوى المعيشة.
وتابع :"أما إذا ظل نص الاتفاق معزولًا عن إصلاحات ملموسة في التعليم، العدالة الاجتماعية، والاعتراف بهوية الشعوب الأصلية (الكاناك)، فإنه من المرجح أن يبقى مجرد “اتفاق على الورق” دون أن يحل أصل النزاع".
وأشار إلى أن الاتفاق لا ينهي الأزمة بمفرده، لكنه خطوة في عملية أوسع يجب أن تشمل إصلاحات اجتماعية واقتصادية، وحوارًا حقيقيًا مع جميع الفاعلين، خاصة FLNKS.
واعتبر آنتروم أن اتفاق إليزيه أودينو خطوة استراتيجية مهمة وموسعة نحو تسوية سياسية في كاليدونيا الجديدة، لكنه لا يضمن إنهاء الأزمة ما لم يشمل التمثيل الكامل لجميع المكونات السياسية، ولا سيما الحركة الاستقلالية FLNKS التي لعبت دورًا محوريًا في تصعيد النزاع سابقًا.
وتابع "كما يتطلب نجاح الاتفاق تنفيذًا عمليًا على الأرض من خلال إصلاحات مؤسسية واقتصادية، ليس فقط نصوصًا دستورية قانونية، وهو ما يظل تحديًا أمام الدولة الفرنسية في الأشهر والسنوات المقبلة".
ولاحقا، رفض الاستقلاليون في جبهة التحرير الوطني الكاناكي الاشتراكي (FLNKS)، الأربعاء، "بلا لبس" الاتفاق المؤسسي والاقتصادي المتعلق بكاليدونيا الجديدة، الذي وُقّع يوم الإثنين في قصر الإليزيه بين الدولة الفرنسية وعدد من الأحزاب، في محاولة لفكّ الجمود السياسي في الأرخبيل.
واعتبرت FLNKS، في بيان نُشر على شبكات التواصل الاجتماعي، أن الوثيقة الجديدة «تُكرّس فرضًا قسريًا لإرادة الدولة"، مذكرة بأنها رفضت اتفاق بوغيفال "لعدم توافقه كليًا مع مسار تصفية الاستعمار في كاناكي"، وهو الاسم الذي يطلقه الاستقلاليون على كاليدونيا الجديدة.