مسؤولة في «غرينبيس»: الدمار البيئي الناجم عن الاعتداءات المسلحة قد يصنّف كجريمة حرب
الحروب تسلب تمويلات مكافحة تغير المناخ.. والصحيح هو حدوث العكس تماما
لا تتوقف آثار الحروب والنزاعات على تدمير الاقتصاد والخسارة البشرية فقط، بل تتسبب أيضا في أثر بيئي يصعب تجاوزه، بالإضافة إلى انبعاثات وتسرب للمواد الكيميائية والنفطية، ما يؤدي في النهاية إلى تلوث الهواء والتربة والماء.
ومع تصاعد وتيرة الحروب والصراعات في العالم بصورة عامة، وفي منطقة الشرق الأوسط بصورة خاصة، وجب لفت الانتباه إلى التأثيرات البيئية للحروب.
وفي هذا الصدد، أجرت "العين الإخبارية" حوارًا مع فرح حطاب، مسؤولة الحملات في غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وخلال الحوار، حدثتنا حطاب عن تأثيرات الحروب على البيئة في المنطقة، وأشارت إلى ضرورة تسليط الضوء على توجيه الإنفاق العسكري إلى دعم النظم البيئية وتوفير التمويل المناخي المطلوب.
إليكم نص الحوار..
1- كيف يمكن أن يؤثر أي تسرب نفطي في مضيق هرمز على النظام البيئي البحري؟
قد يؤدي أسوأ سيناريو لتسرّب نفطي إلى عواقب بيئية وبشرية خطيرة، تؤثر على كلٍ من النظم البيئية والمجتمعات الساحلية في مختلف أنحاء المنطقة. يمكن للتسرّبات النفطية أن تُلحق أضرارًا مباشرة بالموائل الحساسة مثل الشعاب المرجانية وأشجار المانغروف، كما تضرّ بتجمعات الأسماك والطيور البحرية التي تعتمد على هذه النظم البيئية.
أما بالنسبة للمجتمعات الساحلية التي تعتمد على البحر كمصدرٍ أساسي للغذاء وسبل العيش، فستكون العواقب أيضًا خطيرة. كما أن صحة الإنسان معرّضة للخطر نتيجة استهلاك أسماك ملوّثة. وقد تمتد العواقب أيضًا إلى أمن المياه؛ إذ يمكن أن تتلوث محطات تحلية المياه الواقعة على سواحل مضيق هرمز في حال انتشار التسرب النفطي في المياه الساحلية، ما قد يعرّض إمدادات مياه الشرب لملايين الأشخاص للخطر.
إضافة إلى ذلك، يمكن للنفط الناتج عن تسرّب كبير أن ينجرف إلى بحر العرب، الذي يتصل بالمحيط الهندي، ما يوسّع نطاق التهديد البيئي ليشمل مساحة بحرية أوسع بكثير.
2- لماذا لا تؤخذ الانبعاثات الناتجة عن الحروب بعين الاعتبار في مفاوضات المناخ مثل مؤتمر الأطراف (COP)؟
لا يتم عادةً الفصل بشكل واضح بين الانبعاثات الناتجة عن الحروب وغيرها من مصادر الانبعاثات ضمن مفاوضات المناخ مثل مؤتمر الأطراف؛ إذ تُقاس الانبعاثات في الغالب بشكل إجمالي على مستوى الدول بحسب مصادرها مثلًا الانبعاثات المرتبطة بالمواصلات أو الطاقة وغيرها.
مع ذلك، هناك اهتمام متزايد من قبل المجتمع المدني العالمي في إطار مؤتمر الأطراف بالمطالبة بتسليط الضوء ليس فقط على الأثر البيئي للحروب وما قد تسببه من تدمير للأنظمة البيئية، بل أيضًا على الجوانب المرتبطة بالتمويل؛ خاصةً حجم الموارد التي تُوجّه إلى الإنفاق العسكري وصناعة الأسلحة.
ومن هذا المنطلق، يبرز نقاش أوسع حول أولويات الإنفاق، حيث أنه من الأفضل للناس وللكوكب توجيه هذه الموارد نحو العمل المناخي والاستثمارات المستدامة، بدلًا من توجيهها إلى النزاعات والحروب.
3- هل يمكن اعتبار الحروب عاملًا خفيًا في تسريع التغير المناخي؟
منطقتنا تعاني أصلًا من هشاشة شديدة، حيث تتحمل دولها آثارًا كبيرة لتغير المناخ. تواجه المجتمعات الجفاف والتصحر وندرة المياه،وتحديات بيئية قاسية.
الأمن الغذائي تحت الضغط، والوصول إلى المياه النظيفة محدود، كما أن الطاقة والبنية التحتية الأساسية تعانيان بالفعل من الإجهاد. وفي هذا السياق، تصبح حياة الناس اليومية، بما في ذلك ما يأكلونه ويشربونه وما يعتمدون عليه للبقاء، عرضة للخطر بشكل مستمر.
وتُضيف الحروب ضغطًا إضافيًا، ما يفاقم هذه الهشاشة القائمة ويجعل من الصعب على المجتمعات التكيّف؛ فالضرر البيئي في مثل هذا السياق الهش لا يؤثر على الطبيعة فحسب، بل ينعكس مباشرة على حياة الناس، مهددًا صحتهم وسبل عيشهم ورفاههم الأساسي.
4- ما التحديات التي تواجه توثيق الأضرار البيئية أثناء النزاعات؟
طالما لم يتم التوصل إلى وقف لإطلاق النار واستمرار الهجمات العسكرية على الأرض وعلى المدنيين، يبقى الوصول لإجراء التقييمات البيئية والاختبارات محدودًا للغاية. وهذا يخلق مخاطر أمنية كبيرة على الخبراء وفرق العمل الميدانية، خاصة عندما يتطلب الأمر جمع عينات من مواقع متعددة وعلى فترات زمنية طويلة.
إلى جانب القيود الأمنية، هناك عدة تحديات أخرى تعقّد توثيق الأضرار البيئية خلال النزاعات. من بينها تدمير البنية التحتية، ما يحدّ من الوصول إلى المناطق المتضررة ويعطّل أنظمة الرصد والمراقبة.
كما أن العوائق السياسية والقانونية قد تعرقل التوثيق، حيث قد تقوم أطراف النزاع بتقييد الوصول، أو التلاعب بالمعلومات، أو إنكار المسؤولية. إضافة إلى ذلك، فإن نزوح السكان المحليين يقلل من توفر الملاحظات والشهادات المجتمعية التي غالبًا ما تكون ضرورية للتقييم البيئي.
وأخيرًا، فإنّ محدودية الموارد وضعف التنسيق بين الجهات المعنية وأولوية الاستجابة الإنسانية العاجلة، غالبًا ما تدفع توثيق الأضرار البيئية إلى مراتب متأخرة ضمن الأولويات، ما يؤدي إلى فجوات في جمع البيانات والرصد على المدى الطويل.
5- وهل يتعامل المجتمع الدولي بجدية كافية مع الأثر البيئي للحروب؟
هناك عدة آليات قانونية دولية يمكن أن تنطبق على الحروب ذات الأثر البيئي. الأعمال التي تتسبب في دمار بيئي شديد قد تُعد جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، ويمكن ملاحقتها بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية بالإضافة إلى أنها تعد انتهاكا للقانون الدولي الإنساني.
ومع ذلك، يظلّ تنفيذ هذه الآليات محدودًا في الواقع العملي. ويمكن تفعيل الآليات القائمة بشكل أكثر فعالية لمساءلة المسؤولين عن الأضرار البيئية التي تُلحق عمدًا كجزء من الاستراتيجيات العسكرية، مثل سياسات الأرض المحروقة. ويُعدّ تعزيز أطر المساءلة وضمان تطبيقها بصورة متسقة أمرًا أساسيًا للتصدي لمثل هذه الانتهاكات.
6- برأيك، ما الحلول أو السياسات التي يمكن تبنيها لتقليل الأضرار البيئية في الحروب؟
الطريقة الأكثر فاعلية للحد من الأضرار البيئية في الحروب، هي منع الحروب من الأساس. يجب أن يكون تجنب العنف الهدف الأساسي للمجتمع الدولي؛ لأن النزاعات المسلحة تضر حتمًا ليس فقط بالناس، بل أيضًا بالبيئة التي يعتمدون عليها.
لا يمكن فصل حماية البيئة عن حماية حياة الإنسان وكرامته وأرضه. لذلك، ينبغي أن تركز السياسات على منع النزاعات، والحلول السلمية للخلافات، واحترام حقوق الإنسان والموارد الطبيعية. ومن هذا المنطلق، فإن حماية النظم البيئية هي جزء من حماية المجتمعات وسبل عيشها ومستقبلها.
في النهاية، يجب على أي نهج جاد أن يعترف بأن حماية البيئة وحماية الإنسان والسلام مترابطة بشكل عميق، ولا يمكن التعامل معها بمعزل عن بعضها البعض. لذا فإن ضمان المساءلة عن الامتثال للقانون الدولي أمر ضروري.
7- في ظل هذه التحديات، ما الخطوات العاجلة التي يجب اتخاذها الآن لحماية الإنسان والبيئة في المنطقة؟
تحذّر منظمة غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من التدمير المنهجي للبيئة، وما يترتّب عليه من آثار على سُبل العيش في منطقة تعاني أساسًا من الهشاشة أمام الظواهر المناخية المتطرفة وشحّ المياه وانعدام الأمن الغذائي. وتدعو المنظمة إلى وقف فوري للأعمال العدائية، وإلى التزام جميع الأطراف بالقانون الدولي وحماية المدنيّين والبيئات التي يعيشون فيها. حيث لا يمكن إعادة بناء الطبيعة بين ليلة وضحاها. ويستحقّ سكان هذه المنطقة مستقبلًا لا تكون فيه الأرض التي يقفون عليها، ولا المياه التي يشربونها، ولا الهواء الذي يتنفّسونه، ملوثة بفعل الحروب.