أوروبا نحو «السيارات الصغيرة».. منقذ متعدد
أصبحت السيارات الصغيرة والأقل تكلفة، المصممة للشوارع الحضرية الضيقة، أكثر أناقة وجاذبية، لكن ذلك يتطلب قرارات تصميمية دقيقة.
هذا ما توصل إليه تقرير نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانية وقال إن الأزقة المتعرجة في لندن وباريس وروما تشكل جزءاً كبيراً من سحر هذه المدن، لكنها تمثل أيضاً تحدياً أمام مصنّعي السيارات الكهربائية.
ولفترة طويلة، كان من الصعب حشر بطاريات كبيرة داخل سيارات أصغر وأرخص تناسب الشوارع الأوروبية الضيقة. لذلك؛ ركزت الشركات المصنعة على سيارات الـSUV الضخمة بدلاً من ذلك. لكن هذا الوضع بدأ يتغير أخيراً. فقد تحسنت تقنيات البطاريات، وتمكنت شركات السيارات الأوروبية من خفض تكاليف التصنيع بدرجة كافية تسمح لها الآن ببيع سيارات يمكنها بالفعل المرور عبر الأزقة التي تعود إلى العصور الوسطى.
وتُعد سيارة رينو توينغو E-Tech الجديدة مثالاً واضحاً على ذلك. فقيادتها في شوارع لندن تجذب نظرات الاستغراب. كما أن مصابيحها الأمامية المنتفخة تبرر لقب "الضفدع" الذي اشتهرت به النسخة القديمة العاملة بالبنزين، بينما يتميز هذا الطراز بطلاء بلون "الأصفر المانجو".
منافس قوي
وتؤدي السيارات دوراً في مكافحة تغير المناخ؛ إذ أنها لا تضخ عدة أطنان من ثاني أكسيد الكربون المسبب للاحتباس الحراري في الغلاف الجوي كل عام. ويشكل النقل البري حالياً نحو خُمس انبعاثات الاتحاد الأوروبي.
وتبدأ أسعار رينو توينغو في فرنسا من 19490 يورو، ومن المتوقع أن تباع بنحو 18 ألف جنيه استرليني عند إطلاقها في المملكة المتحدة العام المقبل.
ويأتي ازدهار السيارات الصغيرة بعد عقود من تضخم أحجام السيارات. ووفقاً لإحصاءات الحكومة الهولندية، بلغ متوسط طول السيارات المصنعة في عام 2024 نحو 4.41 متر، بزيادة 5% مقارنة بعام 2016. كما ازدادت بعرض يقارب 4% لتصل إلى 1.82 متر، وهو ما يشكل مشكلة خاصة في الشوارع الضيقة على ضفاف القنوات في أمستردام.
وقد بدأت السيارات الصغيرة بالاختفاء لأن تحقيق الأرباح منها أصبح أكثر صعوبة. فلوائح السلامة أضافت تجهيزات جديدة يصعب دمجها في المساحات المحدودة، كما أن البطاريات كانت باهظة الثمن في بداية التحول نحو السيارات الكهربائية، وهو ما شكل تحدياً لفئة السيارات الأكثر اقتصادية.
لكن السيارات الكهربائية الأوروبية الصغيرة مثل هذه قد تصبح بارزة لأسباب تتجاوز مظهرها إذا نجحت في إبطاء الاتجاه نحو السيارات الأكبر حجماً، وساعدت في الوقت نفسه على مواجهة المنافسة الصينية.
سيارة المقعدين
ومن بين الشركات الأخرى التي تقلص أحجام سياراتها شركة كوبرا التابعة لفولكسفاغن، والتي أطلقت طراز Raval الكهربائي بسعر يبدأ من 23785 جنيهاً استرلينياً. ويصف الرئيس التنفيذي لكوبرا وسيات، ماركوس هاوبت، السيارة بأنها "مغيرة لقواعد اللعبة".
ويقول: "لقد قلنا إن الوقت قد حان لطرح هذه السيارات"، مشيراً إلى تزايد الطلب على السيارات الكهربائية في المملكة المتحدة وأوروبا.
وأضاف: "مع هذه السيارة نقدم الحزمة المثالية لإقناع العملاء بأن التنقل الكهربائي ليس مستقبل النقل، بل حاضره".
ويؤكد هاوبت أن خفض تكاليف الإنتاج كان الخطوة الأساسية الأولى، وهو ما تطلب استثمارات بمليارات اليورو داخل مجموعة فولكسفاغن. ويتوقع أن تتساوى تكاليف إنتاج السيارات الكهربائية مع نظيراتها العاملة بالبنزين بحلول نهاية هذا العقد أو بداية العقد المقبل.
وقال رئيس Smart Europe، وولفغانغ أوفر، إن طراز السيارة ذات المقعدين هو ما يطالب به الجميع. لكنه أوضح أن تطويرها يستغرق وقتاً أطول بسبب تحديات التصميم المتعلقة بحشر جميع المكونات داخل هيكل يقل طوله عن ثلاثة أمتار.
كما نقل التقرير عن مدير المنتجات والتسويق والاتصالات في Smart Europe شوان-تشنغ جوه: "صنع سيارة كبيرة أمر سهل، أما صنع سيارة صغيرة فهو تحدٍ حقيقي. عليك اتخاذ قرارات دقيقة للغاية." ويضيف أن الطلب على السيارات الصغيرة ظل موجوداً دائماً في أوروبا، لكن انخفاض تكلفة البطاريات كان العامل الحاسم لجعلها مجدية اقتصادياً.
المنافسة الصينية
وتخشى الشركات الأوروبية أن تغزو السيارات الصينية الأسواق الأوروبية بفضل أسعارها المنخفضة، وهي ميزة تعود جزئياً إلى الدعم المالي الذي تقدمه الحكومة الصينية للمصنعين. ولهذا فرض الاتحاد الأوروبي رسوماً جمركية إضافية على السيارات الكهربائية الصينية للحد من هذه الأفضلية.
في المقابل، لا ترفض الشركات الأوروبية المنافسة، لكنها تريد أن تُنتج الشركات الصينية سياراتها داخل أوروبا بدلاً من استيرادها من الصين. ولهذا يعمل الاتحاد الأوروبي على تطبيق قواعد "صُنع في أوروبا"، التي تمنح حوافز ومزايا للشركات التي تبني مصانعها داخل دول الاتحاد.
ورغم نجاحها في تطوير سيارات كهربائية صغيرة، تواجه شركات السيارات الأوروبية تحدياً كبيراً من الشركات الصينية التي أصبحت قوية جداً في صناعة السيارات الكهربائية وتستطيع إنتاجها بتكلفة أقل. ورغم أن السوق الصينية لا تعتمد كثيراً على السيارات الصغيرة بسبب اتساع المدن والطرق، فإن الشركات الصينية تدرك أن هذا النوع من السيارات مطلوب بشدة في أوروبا، حيث الشوارع أضيق والمساحات محدودة. لذلك بدأت شركات صينية مثل BYD وLeapmotor في طرح سيارات صغيرة مخصصة للمستهلك الأوروبي.