من التوافق إلى التعثر.. الاتحاد الأوروبي يسابق الزمن والأزمات
يعتقد الكثيرون أن النظام العالمي الجديد يتطلب تغييرات في الاتحاد الأوروبي.
عندما تأسس الاتحاد الأوروبي عقب الحرب العالمية الثانية، كان الهدف منه التكامل الاقتصادي، لا القوة العسكرية، في ظل إسناد مسؤولية أمن القارة إلى الولايات المتحدة ومن هنا تم وضع سياسات ومؤسسات الاتحاد على أساس التوافق.
لكن العالم الذي شهد نشأة هذا التكتل لم يعد موجودًا، وفقا لما ذكرته مجلة "بوليتيكو" الأمريكية، في تقرير أشار إلى تزايد الاستياء من بطء تعامل قادة الاتحاد الأوروبي الـ27 المجتمعين داخل ما يسمى المجلس الأوروبي، مع التحديات واتخاذ القرارات، خاصة فيما يتعلق بالأمن والسياسة الخارجية.
وفي تصريحات لـ"بوليتيكو"، قال رئيس الوزراء الدنماركي السابق والأمين العام السابق لحلف شمال الأطلسي (ناتو) أندرس فوغ راسموسن إن "أوروبا اليوم تعيش حالة أزمة دائمة، وهيكلها التنظيمي لم يتم تصميمه لمواجهة مثل هذه الظروف.. لا يمكن انتظار موافقة المجلس على بيان بينما العالم يحترق".
وخلال الأشهر الأخيرة، فشل الاتحاد الأوروبي أكثر من مرة في اتخاذ قرارات موحدة بشأن قضايا ذات أهمية جيوسياسية بالغة الأهمية، بدءًا من رفع الحظر عن قرض بقيمة 90 مليار يورو لأوكرانيا، مرورًا بفرض عقوبات على روسيا والمستوطنين في الضفة الغربية، وصولًا إلى الاستجابة المتماسكة للحرب في إيران.
وفي القمة الأوروبية الأخيرة في مارس/آذار الماضي، أمضى القادة ساعات في الجدال حول أدق تفاصيل نظام تصاريح الكربون الخاص بالاتحاد، في الوقت الذي كانت فيه طهران تلحق الضرر بإمدادات الطاقة الأوروبية في الشرق الأوسط.
وقال مسؤول في الاتحاد الأوروبي، طلب عدم الكشف عن هويته، إنه "من الغريب القول إن نظام تداول الانبعاثات هو القضية الأهم في حين أن حقول الغاز الكبيرة تحترق".
وفي القمم الأوروبية في أكتوبر/تشرين الأول وديسمبر/كانون الأول ومارس/آذار جرى تخصيص جزء من جدول الأعمال لمناقشة القضايا العالقة من الاجتماعات السابقة، وإعادة النظر في قضايا لم يتم حسمها مثل جاهزية الدفاع وتمويل كييف وخطط إصلاح الاقتصاد.
والشهر الماضي، استغل رئيس الوزراء الهولندي، روب جيتن، زيارته الأولى إلى بروكسل لحث الاتحاد على الإسراع في اتخاذ القرارات وقال "لا يمكننا أن نبرر لمواطنينا أن أوروبا أحيانًا تكون بطيئة للغاية في الاستجابة لقضايا كبرى تؤثر علينا جميعًا".
وخلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في يناير/كانون الثاني الماضي، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إن الاتحاد الأوروبي "بطيء للغاية في بعض الأحيان ويحتاج إلى إصلاح".
والأسبوع الماضي، انتقدت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، حاجة الاتحاد إلى الإجماع لاتخاذ القرارات بشأن الشؤون الدولية، وقالت إنه يؤدي إلى "عقبات هيكلية"، ودعت إلى إنهاء حق النقض (فيتو) خاصة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية.
وقال راسموسن إن التكتل بحاجة إلى التخلي عن جلسات النقاش المطولة، وتسريع قدرته على الاستجابة للتهديدات الأمنية "بهياكل سريعة الحركة تتطلبها هذه الحقبة".
وفي ظل هيكلها غير العملي، يجتمع قادة أوروبا الـ27 دوريًا لمناقشة أولويات التكتل، وتحديد التوجه السياسي، وبعد ساعات من المفاوضات والجدال والتسويات، يتفقون على بيانات جماعية تم التفاوض عليها مسبقًا من قبل الدبلوماسيين الوطنيين في هيئات مثل لجنة الممثلين الدائمين لسفراء الاتحاد.
وقال مسؤول أوروبي: "أتفهم الانتقادات"، مضيفا: "هناك بعض القضايا يصعب معالجتها على مستوى المجلس الأوروبي"، وموضحا أن "التركيز ينصب حاليًا على كيفية تحويل هذه الاتفاقات السياسية إلى إجراءات ملموسة، نظرًا للضغوط الهائلة التي تواجهها أوروبا"، لكنه أكد أن المجلس "بلا منازع" هو أفضل منتدى لمعالجة القضايا الأكثر إلحاحًا.
وأيد مسؤول آخر في الاتحاد هذا الرأي، وقال إن "المجلس مؤسسة ديمقراطية، تجمع رؤساء الدول، وهي المكان الأمثل لمناقشة هذه القضايا"، مؤكدًا أنه "لا بديل حقيقيا عنه".
وقال أستاذ العلوم السياسية الأوروبية في معهد الحوكمة العامة بجامعة لوفين الكاثوليكية، ستيفن فان هيك، إنه "ليس من الإنصاف تقييم المجلس بناءً على استجابته للأزمات فقط لأنه تأسس لتحديد الأهداف السياسية طويلة الأمد لكنه يتصرف كسلطة تنفيذية عليا عند الضرورة، مثلما حدث خلال الأزمة المالية وجائحة كوفيد-19".
ولا شك أن للمجلس مؤيدين، مثل رئيس الوزراء البلجيكي السابق ورئيس برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ألكسندر دي كرو الذي قال: "قد يستغرق بناء الاتحاد الأوروبي وقتا لاتخاذ القرارات، لكنني كنت جزءًا من لحظات كانت فيها القرارات حاسمة للغاية".
وأشار إلى استجابة الاتحاد الأوروبي لجائحة كوفيد-19 والتي تضمنت صندوقًا ضخمًا للتعافي وتعاونًا في مجال اللقاحات وقال "كانت سرعة اتخاذ القرار وتنفيذه عالية جدًا، وكانت فاعلية الاستجابة عالية أيضًا.. لذا لا أعتقد أنها مشكلة هيكلية".
واعتبر أنه في عالم هزته قرارات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فإن منهج أوروبا "الأكثر ترويًا" يُحسب لها، وقال: "أحد أهم الدروس المستفادة هو أنه من الجيد أحيانًا التشاور مع الشركاء والتفكير الاستباقي.. لا يمكن لوم الدول الأوروبية على تفكيرها المتأني وحكمتها في اختيار الرد الأمثل".
لكن مع تغير النظام الدولي وتفكك التحالفات القديمة، وزيادة الأزمات، يؤكد راسموسن أن أساليب أوروبا القديمة في اتخاذ القرارات لم تعد كافية.
وقال إنه "بين عامي 2001 و2009 كان العالم مختلفًا تمامًا.. كانت روسيا لا تزال شريكًا في مجموعة الثماني، وكانت أمريكا حليفًا لا لبس فيه". وأضاف: "مررنا بأزمات، لكن كانت لدينا أيضًا مساحة للتداول.. لم يعد ذلك العالم موجودًا"، داعيا الاتحاد الأوروبي إلى "إعادة صياغة الأطر الأمنية".
ومن بين الأفكار المطروحة، إلغاء الفيتو وإنشاء مجلس أمن أوروبي، لاتخاذ قرارات الدفاع للقارة، وتعزيز صلاحيات المفوضية الأوروبية.
وقال محاضر العلوم السياسية في جامعة لوفين الكاثوليكية، جيل بيتورس: "من الممكن تطبيق نظام التصويت بالأغلبية المؤهلة في المجلس الأوروبي بشأن قضايا السياسة الخارجية، لكنه سيثير إشكالية ديمقراطية".
وأضاف أن "إنشاء هيئات جديدة لن يحل شيئًا، واعتبر أنه من الأفضل تعزيز صلاحيات المفوضية"، لكنه أقر بأن هذا الأمر يواجه أيضًا شكوكًا من الدول الأعضاء التي تخشى منحها صلاحيات واسعة للغاية.