مجتمع

بالصور.. سوق الفلاحات في "الفحامة" بدمشق.. تربية الأمل

الأربعاء 2018.5.2 01:36 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 620قراءة
  • 0 تعليق
من سوق الفلاحات في منطقة "الفحامة" بدمشق

من سوق الفلاحات في منطقة "الفحامة" بدمشق

العثور على سوق الفلاحات في منطقة الفحامة بدمشق ليس صعبا؛ فالبضاعة المعروضة هنا لا تحتاج إلى "سوبر ماركتس" فارهة ولا طاولات أو محاسبين.. فعلى الرصيف الممتد من قرب ملعب "تشرين" باتجاه دوّار الفحامة، تفترشُ تلك الفلاحات القادمات من الريف بسطاتٍ يعرضن فيها بضاعتهنّ من اللبن والجبن والأعشاب البرية والزيتون والفواكه وغير ذلك من مواد ينتجها البيت الريفي.

بضاعة "شغل اليد" وهي مكفولة النظافة والجودة كما تسميها "أم محمد" القادمة من ريف الزبداني حيث اشتهرت تلك الأم لخمسة أبناء، ببيع منتجات الضيعة التي لا تضاهيها صناعة أخرى كما تقول.


صفٌّ طويل من النساء يبدأ بالتجمع منذ ساعات الصباح الأولى، موعد نزولهن من المناطق المجاورة للعاصمة، ويستمر إلى فترة الظهر تقريبا؛ حيث إنه كلما بكّر الشاري بالقدوم؛ حصل على أجود المعروضات والمواد.. حتى الأعشاب النادرة التي يمكن استخدامها في العلاج أو إضافتها كنكهات على بعض الطبخات، يتم جلبها من جبال الزبداني وجبل الشيخ في القنيطرة مثل "الشمّر" و"قرص العنّة" و"الزعتر البري" و"العكّوب" وهو النبتة الأغلى والأشهى في هذا الموسم القصير من الربيع.

في هذا السوق الذي تغلب فيه البائعاتُ النساء، يمكن العثور على منتجات لا يمكن اكتشافها في أماكن أخرى، وإذا ما كان الزائر يرغب في نوع محدد من المنتجات المنزلية، يمكنه أن يوصي "أم محمد" أو "أم ياسر" و"سامية"، فهنّ سيسارعن إلى تجهيزه في اليوم التالي، لأن "خير الله واجد" كما يقلن وهنّ متفائلات مرحّبات بالعابرين.


تقول "سامية"، صاحبة أشهى "عكوب" أو "سلبين" كما يسمى في بعض المناطق، إن هذه النبتة تمتلك أسرارا في معالجة المشاكل الهضمية، ونظرا لعمرها القصير خلال السنة، يجب على المرء أن يقطفها مبكرا قبل أن تغزوها الأشواك وتصبح صعبة على الطبخ بسبب القساوة.. الكيلو الواحد من العكوب أو السلبين يصل إلى ألفي ليرة (4 دولارات تقريبا) إذا كان من النوع الجيد والمنظف، وهو لا يقل شأنا عن توت "السياج" البري، الذي ينضج قبل غيره من أنواع التوت ويشتهر بحموضته ولونه المعالج لكثير من الحالات الصحية.

تشرح "أم ياسر" لـ"العين الإخبارية" فوائد بضاعتها الريفية التي صنعتها بيديها الخشنتين كي تتميز بها عن سائر زميلاتها القادمات من مناطق مختلفة، وتقول: "أتحدى أي بائعة هنا أن تأتي ببضاعة مثل التي أمتلكها هنا، فأنا أصعد إلى أعلى قمة الجبل كي أقطف هذه النباتات؛ حيث كلما ارتفعت حصلت على الأكثر جودة وطراوة..".

خلال السنوات الأخيرة من الحرب، انتعش هذا السوق كثيرا، رغم عدم وجود مكان مرخّص للبائعات ورغم اقتصارهنّ على شغل حيّزٍ ضيقٍ من الرصيف لكل واحدة منهنّ؛ فإنهنّ بقينَ مواظبات على القدوم إلى هذا المكان وعرضن بضاعتهن التي تنوعت أكثر وتعددت أشكالها، بسبب قلة المواد في السوق، ورغم عدم تغليف تلك المنتجات أو وضعها ضمن علب مع علامات تجارية وتاريخ إنتاج؛ فإن الزائرين هنا يعرفون ماذا يريدون بالضبط، بسبب الخبرة والعشرة الطويلة مع البائعات اللواتي أصبحن معروفاتٍ بالاسم من قبل الزبائن.


تضيف أم ياسر: "هناك ربات منازل يتصلن بي قبل يوم كي يطلبن أكلات شعبية معينة، فأقوم بتجهيزها وأحيانا أخذها إلى منازلهن القريبة من السوق.. لقد أصبحنا جزءا من العائلات هنا..".

هذا السوق يفتح الحديث عن جدوى اقتصاد المنزل والمشاريع الصغيرة التي راحت تنشط بقوة في السوق بسبب الحرب وغياب المعامل والكثير من الشركات.

فيما تقول أم محمد: "الأرض خيّرة والحمد لله تعطينا أسباب الحياة والاستمرار..."، تمسك أم محمد بيديها بعضا من أوراق العنب الغضة التي قطفتها للتوّ من شجرتها في أرض الديار وتقول: "انظر إلى هذا الخضار الذي يفتح النفس والقلب..". في هذا المشهد، لا تبدو أصوات المدافع القريبة والقذائف التي سقطت أكثر من في هذه المنطقة، قادرة على منذ تلك النسوة من النزول يوميا إلى أعمالهنّ.. تعقّب سامية: "الله الحامي يا أخي!".


معظم النساء البائعات هنا، يمتلكن أُسرا وعددا كبيرا من الأبناء الذين بحاجة إلى أسباب الدراسة والطبابة ومقومات العيش الأخرى، لذلك فإن صفة المرأة المناضلة والمكافحة تبدو قليلة على كل واحدة منهنّ تصنع بعرقها مستقبل أبنائها دون كلل أو يأس.. لكن أيضا في المقابل، لابد من الإشارة إلى اقتحام هذا السوق من بعض التجار الذين جلبوا موظفاتٍ ليسوقوا المنتجات المغشوشة على أساس أنها من منتجات المنزل الريفي، لكن ما لبث ذلك أن اكتشف بالنسبة للزائرين الذين يعرفون خفايا السوق ولديهم مع البائعات معرفة مباشرة لا تحتمل الغش والمواربة..

في هذا السوق البسيط، هناك آمالٌ كبيرة تزرعها الفلاحات البائعات كشتلاتٍ على أرصفة شظف العيش والحرب هنا حيث على الأمهات أن يسقينَ الحلم قطرة قطرة، وعليهنَّ أن يتجرّعنَ الصبر حتى "الله يفرجها".. تقول "أم محمد"!

تعليقات