باكستان وأفغانستان في 2026.. تصعيد بلا حرب شاملة
في 2026، تسود توقعات بعودة الحدود الأفغانية - الباكستانية إلى واجهة التوتر الإقليمي بوصفها واحدة من أكثر الجبهات هشاشة في جنوب آسيا، في ظل تكرار الاشتباكات وتآكل فرص التسوية السياسية.
ورغم تعدد محاولات الوساطة الإقليمية والدولية، فإن المشهد الميداني يعكس مسارًا تصاعديًا للصراع، تدفعه حسابات أمنية معقدة وتشابك مصالح داخلية وإقليمية يصعب تفكيكها.
وفي هذا السياق، يبدو الصراع بين كابول وإسلام آباد مرشحا للاستمرار ضمن نمط "التصعيد المدار"، حيث تتجنب الأطراف الانزلاق إلى مواجهة شاملة، لكنها في الوقت ذاته تبقي على أدوات الضغط العسكري والحروب بالوكالة، وفق موقع "ناشيونال إنترست" الأمريكي.
وبين رهان باكستان على احتواء التهديدات العابرة للحدود، وسعي طالبان إلى تثبيت حكمها وحماية توازناتها الداخلية، تتشكل ملامح عام جديد عنوانه الجمود الأمني وتراجع الأفق الدبلوماسي.
تسوية تفاوضية؟
وخلال 2025، أصبحت عمليات إطلاق النار والغارات الجوية حدثا متكررا على الحدود الأفغانية الباكستانية التي شهدت تصاعدا للعنف على طول الحدود في ظل تدهور العلاقات بين كابول وإسلام آباد إلى أخطر مستوياتها منذ عودة حركة طالبان الأفغانية إلى السلطة في أغسطس/آب 2021.
وتتهم باكستان طالبان بالسماح للجماعات المسلحة وعلى رأسها حركة طالبان باكستان وجيش تحرير بلوشستان بالعمل انطلاقًا من الأراضي الأفغانية، وشن هجمات دامية عبر الحدود مما دفع إسلام آباد إلى الرد عبر تصعيد عسكري متزايد.
وفي 2026، تبدو احتمالية التوصل إلى تسوية تفاوضية بعيدة المنال، في ظل تزايد الزخم نحو عمليات باكستانية أوسع نطاقًا داخل أفغانستان.
وتكمن المفارقة الأساسية في أن باكستان كانت على مدار عقود الداعم الأبرز لطالبان واعترفت بحكمها في التسعينيات، كما ساهم جهاز الاستخبارات الباكستاني في دعمها خلال فترة الوجود الأمريكي.
إلا أن عودة طالبان إلى الحكم لم تحقق لباكستان "العمق الاستراتيجي" الذي طالما سعت إليه، "بل تحولت إلى مصدر ضغط وتهديد أمني متزايد"، وفق "ناشيونال إنترست" الأمريكي.
وتزداد مخاوف إسلام آباد بسبب تنامي علاقات "طالبان" مع الهند، التي تعتبر الخصم الإقليمي الأول لباكستان حيث ترى أن تقارب كابول ونيودلهي يمثل مؤشرًا على اصطفاف إقليمي يضر بمصالحها الاستراتيجية.
في المقابل، ترفض "طالبان" اتهامات باكستان، وتؤكد أن إسلام آباد تحاول تحميل كابول مسؤولية فشلها في معالجة مشكلاتها الأمنية الداخلية وأدانت في الوقت نفسه الغارات الجوية الباكستانية داخل الأراضي الأفغانية وتعتبرها انتهاكًا صارخًا للسيادة الوطنية.
استراتيجية باكستان
وتعتمد إسلام آباد على استراتيجية من أربع مراحل لمواجهة تهديد طالبان باكستان، المرحلة الأولى تمثلت في تسهيل عودة طالبان الأفغانية إلى الحكم، بهدف دفع عناصر الجماعة خارج الأراضي الباكستانية.
وسعت المرحلة الثانية إلى استغلال مشروع قناة "قوش تيبا" في شمال أفغانستان لإعادة توطين عناصر طالبان باكستان بعيدًا عن الحدود، إلا أن هذه الخطة فشلت.
أما المرحلة الثالثة، وهي المستمرة حاليًا، فتعتمد على تكثيف الضربات الجوية والمسيرات في جنوب أفغانستان لدفع المسلحين نحو الشمال.
أخيرا تتمثل المرحلة الرابعة في دعم جماعات أفغانية معارضة لطالبان، مثل جبهة المقاومة الوطنية، لخلق صراع داخلي يستنزف طالبان باكستان.
وعلى المستوى الإقليمي، تحاول عدة قوى لعب دور الوسيط مثل الصين التي تعد الطرف الأكثر قلقًا من التصعيد نظرًا لمشروعاتها الاقتصادية الضخمة، خاصة الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني، ومخاوفها من انتقال عدم الاستقرار إلى أراضيها.
لذا، تبنت بكين سياسة متوازنة، ودعت إلى ضبط النفس دون توجيه اتهامات مباشرة، مستفيدة من نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي.
وتشترك روسيا وإيران في القلق نفسه، ويسعى البلدان إلى خفض التصعيد عبر الحوار وترى موسكو في كل من باكستان وطالبان شركاء في مكافحة الإرهاب.
من جانبها، تخشى طهران أن يؤدي انهيار حكم طالبان إلى صعود تنظيم "داعش-خراسان"، الذي تعتبره إيران التهديد الأكبر لأمنها، خاصة في ظل حساسياتها الإقليمية الأخرى.
واستضافت الدوحة محادثات أفضت إلى وقف إطلاق نار مؤقت في أكتوبر/تشرين الأول 2025، لكن هذه الجهود لم تنجح في تحقيق تسوية دائمة.
المستفيد الأكبر
وعلى عكس معظم الأطراف، تعد الهند المستفيد الأكبر من استمرار التوتر، لأنه يحد من قدرة باكستان على التركيز على الصراع معها ويفتح المجال أمام توسع النفوذ الهندي في أفغانستان وآسيا الوسطى.
ومن غير المرجح أن تنتهي الأزمة دبلوماسيا في 2026 بسبب تعارض المصالح فباكستان تطالب أفغانستان بالقضاء على حركة طالبان الباكستانية وهو ما لا تستطيع كابول تنفيذه دون المخاطرة بانقسامات داخلية قد تؤدي إلى انهيار حكمها.
في المقابل، ترى طالبان في وجود طالبان الباكستانية ورقة ضغط وضمانة محتملة في حال تعرض حكمها لتهديد مستقبلي.
لذا، من المتوقع أن يستمر الجمود خلال عام 2026، مع تصاعد الضربات الجوية، واندلاع اشتباكات حدودية متكررة، وتزايد الاعتماد على الحروب بالوكالة على جانبي الحدود.