مستقبل «العيون الخمس».. «تحالف ظل» يرسم خرائط الاستخبارات عالميا
عيون خمس مفتوحة في كل الاتجاهات، ترصد وتحلل سيلًا من المعلومات وتصوغ التوازنات الدولية.. لكن في الظل.
هذه العيون هي أركان ما يُعرف بتحالف «العيون الخمس»، الذي تأسس كشبكة استخباراتية شديدة السرية جمعت الدول الناطقة بالإنجليزية، ليصبح مع مرور الوقت إحدى أهم أدوات النفوذ الغربي في إدارة التوازنات الدولية.
تعود جذور هذا التعاون، وفق موقع «ذا كولكتور» المعني بالتاريخ، إلى سنوات الحرب، حين أدركت كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة أهمية تنسيق جهود التنصت وتحليل الاتصالات، خاصة في مركز بليتشلي بارك، حيث عمل خبراء من الجانبين على فك شيفرات الاتصالات الألمانية، بما في ذلك آلة «إنجما» خلال الحرب العالمية الثانية.
ووفق التقرير، تُوّج هذا التعاون بتوقيع اتفاقية «بروسا» عام 1943، التي أرست أسس الشراكة الاستخباراتية، قبل أن تتحول رسميًا إلى اتفاقية «أوكوسا» عام 1946، والتي وسّعت نطاق التعاون ليشمل زمن السلم.
الحرب الباردة: توحيد الجهود في مواجهة المعسكر الشرقي
مع بداية الحرب الباردة، تحوّل تحالف «العيون الخمس» إلى أداة استراتيجية في مواجهة الاتحاد السوفياتي وحلفائه، حيث كثّفت الدول الأعضاء عمليات التنصت والتجسس لرصد التحركات العسكرية والسياسية للمعسكر الشرقي.
ولم يقتصر التعاون على جمع المعلومات، بل امتد إلى تحليلها بشكل مشترك وتنسيق العمليات الاستخباراتية، بما في ذلك كشف شبكات التجسس داخل الدول الغربية نفسها.

ومن أبرز هذه القضايا «خماسي كامبريدج»، الذين نجحوا في اختراق أجهزة الدولة البريطانية وتسريب معلومات حساسة إلى موسكو، قبل أن يتم كشفهم بالتعاون مع أجهزة الاستخبارات الأمريكية.
كما لعب التحالف دورًا مهمًا في النزاعات الإقليمية التي شكّلت ساحات صراع غير مباشر بين القوتين العظميين، مثل حرب فيتنام، حيث تبادلت الدول الأعضاء المعلومات حول تحركات القوات الشيوعية وخطوط الإمداد، ما ساهم في دعم العمليات العسكرية الأمريكية وحلفائها.
وعكس هذا التعاون مستوى عاليًا من التكامل الاستخباراتي، جعل من «العيون الخمس» شبكة شبه موحدة في إدارة المعلومات الأمنية.
بنية معقدة
يقوم تحالف «العيون الخمس» على هيكل تنظيمي معقد يدمج بين عدة مستويات من العمل الاستخباراتي، تتوزع بين الاستخبارات الخارجية والداخلية والعسكرية، إضافة إلى استخبارات الإشارات التي تُعد العمود الفقري للتحالف.
ففي هذا الإطار، تلعب وكالات مثل وكالة الأمن القومي ومقر الاتصالات الحكومية في الولايات المتحدة دورًا محوريًا في جمع وتحليل البيانات الإلكترونية، إلى جانب مؤسسات مماثلة في كندا وأستراليا ونيوزيلندا.
أما على صعيد الاستخبارات البشرية، فتتولى مهامها وكالات مثل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وجهاز الاستخبارات الخارجية البريطانية «إم آي 6»، حيث يتم تبادل المعلومات حول المصادر السرية والتهديدات المحتملة، كما حدث خلال أزمات دولية كبرى مثل أزمة الصواريخ الكوبية في الستينيات.
وتتكامل هذه الجهود مع عمل أجهزة الأمن الداخلي، مثل «إف بي آي» الأمريكية، التي تركز على مكافحة الإرهاب والتجسس داخل الحدود الوطنية، ما يخلق منظومة متكاملة قادرة على التعامل مع طيف واسع من التهديدات.
الجانب المظلم للتحالف
ورغم فاعلية هذا التحالف، فإنه لم يخلُ من الانتقادات، إذ ارتبط اسمه بعدد من العمليات السرية المثيرة للجدل خلال النصف الثاني من القرن العشرين، بما في ذلك دعم انقلابات سياسية وعمليات اغتيال في دول مختلفة، ما أثار تساؤلات حول حدود النفوذ الاستخباراتي الغربي.
وقد كشفت تحقيقات داخلية في الولايات المتحدة خلال سبعينيات القرن الماضي عن تجاوزات واسعة، خاصة في عمل وكالة المخابرات المركزية، ما أدى إلى فرض قيود أكبر على أنشطتها.
وفي العصر الحديث، تجدد الجدل مع الكشف عن برامج مراقبة جماعية بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول، حيث تم توسيع نطاق جمع البيانات بهدف مكافحة الإرهاب.
وجاءت تسريبات إدوارد سنودن عام 2013 لتكشف حجم هذه البرامج، ودور دول «العيون الخمس» في تبادل البيانات على نطاق واسع، ما أثار موجة انتقادات عالمية بشأن انتهاك الخصوصية.
مستقبل التحالف
في ظل التحولات المتسارعة في النظام الدولي، يواجه تحالف «العيون الخمس» تحديات جديدة تتعلق بطبيعة التهديدات الأمنية، خاصة مع صعود قوى عالمية منافسة، وتزايد الاعتماد على الفضاء السيبراني كساحة صراع رئيسية.
وقد برزت في هذا السياق دعوات لتوسيع التحالف ليشمل دولًا أخرى مثل اليابان، التي تسعى لتعزيز تعاونها الاستخباراتي مع الغرب، رغم أن عضويتها الكاملة لا تزال محل نقاش.
في المقابل، تستمر هياكل أخرى مثل حلف شمال الأطلسي في لعب دور موازٍ في تنسيق المعلومات بين الدول الأوروبية والأمريكية، كما ظهر بوضوح قبيل العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، حيث ساهم تبادل المعلومات في كشف التحركات العسكرية الروسية مبكرًا.
وبينما تتغير ملامح الصراعات الدولية، يظل تحالف «العيون الخمس» أحد أبرز الأدوات غير المرئية التي تُسهم في تشكيل توازنات القوة العالمية، عبر شبكة معقدة من التعاون الاستخباراتي تعمل بصمت، لكنها تترك أثرًا عميقًا في مسار الأحداث الدولية، على حد قول التقرير.