إصلاح وسائل التواصل الاجتماعي.. «القصّر» بلا مظلة حماية
كان من المفترض أن تكون وسائل التواصل الاجتماعي قوة ديمقراطية، لكن ما حدث أنها منحت حفنة من الأفراد سيطرة أكبر على الخطاب العام من أي مسؤولين تنفيذيين في وسائل الإعلام عبر التاريخ.
ووفق تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز"، يتحكم عدد قليل من الأوليغارشية، وهم أشخاص ينتمون إلى نخبة صغيرة شديدة الثراء والنفوذ، يملكون قوة اقتصادية وسياسية غير متناسبة مع حجمهم العددي، ويؤثرون بشكل مباشر أو غير مباشر في قرارات الدولة، والاقتصاد، والإعلام، والسياسات العامة، فيما يراه ويسمعه ويقرأه مليارات الأشخاص حول العالم.
وهذه ليست نتيجة طبيعية للتقدم التكنولوجي، فقد أدت خيارات متعمدة للقضاء على المنافسة، واحتكار المستخدمين، وتحسين التفاعل -بغض النظر عن التكلفة- إلى خلق بيئة وسائل التواصل الاجتماعي السامة التي نعيشها اليوم.
وتُعد شركة وسائل التواصل الاجتماعي من أصعب الشركات التي يمكن تأسيسها، لأنها لا تنجح إلا على نطاق واسع، ولا ترغب المنصات في السماح للمستخدمين بالرحيل مع بياناتهم وعلاقاتهم التي تستفيد منها المنصات.
وقد أدى هذا إلى وضع لا يملك فيه العميل سوى القليل من النفوذ، فإذا لم يعجبك ما تفعله منصة ما -كأن تعترض على سياسة الإشراف الخاصة بها، أو على استخدامها لبياناتك- فإن خياراتك الوحيدة هي البدء من الصفر أو الضغط من أجل التغيير.
عجز تجاه سياسات منصات التواصل
ويقول التقرير الذي كتبه "جاي جريبر"، المدير التنفيذي لمنصة التواصل الاجتماعي Bluesky، أن الغضب الذي يشعر به الناس تجاه شركات التكنولوجيا الكبرى هو نتيجة مباشرة لشعورهم بالعجز.
ويشعرون بالصدمة إزاء القرارات التي اتخذها قادة هذه الشركات، والإحباط لعدم وجود بديل أمامهم.
وفي الوقت الراهن، يبقى الوضع دون تحسن، فقد سمحت منصة X مؤخرًا للمستخدمين بإنشاء صور حميمية دون موافقتهم في ثواني عبر برنامج الدردشة الآلي Grok، مما أدى إلى مضايقة النساء وتعريض الأطفال للخطر.
ويمثل هذا تجاوزًا للخطوط الحمراء التي التزمت بها هذه الصناعة لعقود، ومع ذلك، فهو أيضًا عرض من أعراض نفس الحافز المشوه، وهو إبقاء المستخدمين منغمسين في التصفح بأي ثمن، والنتيجة هي حملة متنامية لحماية أكثر فئات المجتمع ضعفًا، الأطفال.
وفي العام الماضي، أصبحت أستراليا أول دولة تحظر على الأطفال استخدام 10 منصات تواصل اجتماعي، بما في ذلك فيسبوك وتيك توك.
وأشارت الحكومة هناك إلى التصميم المتعمد لميزات تشجع الأطفال على قضاء المزيد من الوقت أمام الشاشات.
وتناقش فرنسا مشاريع قوانين من شأنها منع من هم دون سن 15 عامًا من الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي.
وفي المملكة المتحدة، حظي اقتراح حظر استخدام من هم دون سن 16 عامًا بدعم مجلس اللوردات هذا الأسبوع، وتناقش الدنمارك والنرويج وماليزيا قيودًا مماثلة.
ويقول كاتب التقرير، أن المنافسة والابتكار يُمكن أن يُسهما في حماية الشباب بشكل أفضل، دون حرمانهم من فوائد التواصل والمشاركة المسؤولة، وهناك الكثير مما يُمكننا فعله لو كان الإطار التنظيمي شريكًا لا أداة قمع.
ومع أن قوانين التحقق من العمر تبدو منطقية من الناحية النظرية، إلا أن طريقة تطبيقها حول العالم تُهدد حرية التعبير وتُعيق المنافسة، وهو ما تُفضله الشركات العملاقة التي تدّعي حمايتها.
ويوضح ذلك "جاي جريبر" عبر مقارنة مع سياسات منصته الخاصة للتواصل بلوسكاي، ويقول أنه قد تم بناء منصة بلوسكاي استنادًا إلى الدروس المُستفادة من جدل وسائل التواصل الاجتماعي الجاري، حيث تُوفر الشبكة اللامركزية والمفتوحة لشركته فرصًا أكبر للابتكار والتجريب، ولتحسين الأداء باستمرار بدلًا من فرض حل واحد يناسب الجميع.
المنافسة بدلاً من فرض التنظيم
والمنافسة قد تكون وسيلة فعّالة للتغيير، لسنوات، طالب المنظمون والمستخدمون منصة ميتا بإعادة عرض المحتوى بترتيب زمني.
وتجاهلت ميتا مطالبهم حتى بدأ المستخدمون بالانتقال إلى منصات منافسة، وعندها أضافت ميتا هذا الترتيب كخيار، لتوقف عملية الهجرة للمستخدمين إلى منصات أخرى، ويرى كاتب المقال أن اتباع سياسة مشابهة من قبل شركات مختلفة مع التركيز على سياسات الحماية سيؤدي لنتيجة مشابهة.
ولا تقتصر المنصات المغلقة على تقييد المستخدمين فحسب، بل تمنعهم أيضًا من التجربة، ويمثل الاستياء الحالي من الأدوات التي تقدمها منصة غروك أحدث دليل على إحباط المستخدمين الجماعي.
وليس من الضروري أن يكون الوضع هكذا، فعلى سبيل المثال، تُصمم الشبكات المفتوحة مثل بلوسكاي بطريقة تمنع أي جهة، بما في ذلك مدير الشركة وموظفيها، من تقييد المستخدمين أو جمع بياناتهم.
وهوية المستخدمين وعلاقاتهم قابلة للنقل، لذا يمكنهم المغادرة دون الحاجة إلى البدء من جديد، والهدف هو ربط المستخدمين بما يرغبون بمشاهدته، وليس استنزاف أكبر قدر ممكن من اهتمامهم.
وتتيح الشبكات المفتوحة أيضًا للمطورين الابتكار، ويوجد حاليًا أكثر من 400 تطبيق مبني على نفس الشبكة الاجتماعية، كل منها يجرب شيئًا مختلفًا، على سبيل المثال، سكاي لايت هو تطبيق على غرار تيك توك، طوره مطوران لا ينتميان إلى بلوسكاي.
ذلك يجعل المستقبل على طريق خياران، في أحد السيناريوهات، تُخنق المنصات المغلقة المنافسة، مُبقيةً كل ما نراه تحت سيطرة عدد قليل من الشركات دون أي حافز للتحسين.
وفي السيناريو الآخر، تُمكّن الشبكات المفتوحة أي شخص لديه فكرة جيدة من بناء نسخة أفضل من وسائل التواصل الاجتماعي.
وهذا السيناريو الثاني لن يتحقق تلقائيًا، بل يتطلب من المستخدمين اختيار بدائل مفتوحة، ووجود قوانين تُحقق تكافؤ الفرص.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTQxIA== جزيرة ام اند امز