أمريكا ودول الساحل.. خط تواصل بـ«مصالح حيوية» ومزايا «جيوسياسية»
تحافظ واشنطن على خيط سميك من العلاقات مع دول الساحل؛ المنطقة المهمة من الناحية الجيوسياسية، لمنع حدوث فراغ أمني وسياسي.
اعتبر خبراء سياسيون فرنسيون أن استمرار واشنطن في التعاون مع الأنظمة العسكرية في الساحل، رغم التباعد عن شركاء غربيين آخرين، يعكس رغبة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الحفاظ على وجود استراتيجي في المنطقة، خصوصًا في ظل تصاعد النفوذ الروسي والصيني.
وأشار الخبراء إلى أن هذه السياسة الأمريكية الجديدة تعتمد على تعزيز التواجد الأمني والاستخباراتي بصورة غير مباشرة، بدل الاعتماد على قواعد عسكرية تقليدية، وهو ما يسمح بمرونة أكبر في مواجهة التهديدات الإرهابية والحفاظ على مصالح واشنطن في منطقة حيوية على صعيد الطاقة والتجارة والأمن الإقليمي.
خطوة لتعزيز النفوذ
وقال نيكولا نورماند، الدبلوماسي الفرنسي السابق في الساحل الأفريقي، لـ"العين الإخبارية"، إن استمرار الولايات المتحدة في التعاون مع الأنظمة العسكرية في بوركينا فاسو ومالي والنيجر، "يعكس رغبة الإدارة الأمريكية في الحفاظ على وجود استراتيجي طويل الأمد في منطقة حيوية".
وأضاف نورماند أن هذه الخطوة "تأتي في وقت يزداد فيه التنافس بين القوى الكبرى على النفوذ في الساحل، خصوصًا مع تزايد النشاط العسكري الروسي والصيني، ما يجعل واشنطن تحاول تأمين قنوات اتصال مباشرة مع السلطات المحلية لضمان مصالحها الأمنية والاستخباراتية".
وأشار نورماند إلى أن "التعاون الأمريكي الحالي يختلف عن السابق، إذ أصبح أكثر خفوتًا ودقة مقارنة بالعقود الماضية، ويعتمد على تبادل المعلومات الاستخباراتية ودعم العمليات ضد الجماعات الإرهابية، بدل التدخل المباشر أو التواجد العسكري المكثف".
واعتبر أن هذا النهج "يعكس تحولًا في السياسة الأمريكية نحو الدبلوماسية الأمنية الذكية، التي تراعي حساسية الشركاء العسكريين في الساحل وتقلل من الاحتكاك مع القوى المحلية والدولية".
وأضاف الدبلوماسي الفرنسي، أن الولايات المتحدة تراهن من خلال هذا التعاون على إضعاف النفوذ الروسي والصيني تدريجيًا، من خلال إبقاء هذه الدول الثلاث ضمن شبكة من العلاقات الموازية، مع تقديم دعم محدود لكن استراتيجي.
وأوضح نورماند أن واشنطن تحاول بذلك أن توازن بين رغبتها في الظهور كقوة فاعلة في الساحل وبين تجنب الانزلاق في مواجهة مباشرة مع خصومها، خصوصًا في ظل ضعف تأثيرها التقليدي بعد الانقلابات العسكرية الأخيرة.
وأكد نورماند أن هذه السياسة الأمريكية الجديدة تعكس إعادة ضبط للاهتمامات الاستراتيجية في أفريقيا، حيث تركز واشنطن على جمع المعلومات، وتمكين الشركاء المحليين، والاحتفاظ بمرونة التحرك العسكري، مع الإبقاء على خياراتها مفتوحة للتوسع في المستقبل إذا اقتضت التطورات الأمنية أو السياسية ذلك.
قبل أن يستطرد أن "هذه الديناميكية قد تؤدي إلى تغيير قواعد اللعبة الإقليمية في الساحل خلال السنوات المقبلة، بما في ذلك موازنة النفوذ الروسي والصيني".
وأفادت مصادر دبلوماسية أمريكية بأن الولايات المتحدة "تواصل تعاونها العسكري مع الأنظمة العسكرية الحاكمة في كل من بوركينا فاسو ومالي والنيجر، رغم التوترات الأخيرة وقطع هذه الدول لعلاقاتها مع بعض الشركاء الغربيين"، بحسب إذاعة "راديو أفريك" الفرنسية.
وأكد الجنرال الأمريكي جون برينان، المسؤول رفيع المستوى في القيادة الأمريكية لأفريقيا (أفريكوم) في تصريحات سابقة، أن واشنطن "تشارك هذه الجيوش بالمعلومات الاستخباراتية اللازمة لضرب "أهداف إرهابية رئيسية"، موضحًا أن طبيعة التعاون الحالي تختلف بشكل كبير عما كانت عليه قبل عامين أو ثلاثة أعوام".
علاقات أكثر هدوءًا
وأشار المسؤول الأمريكي إلى أن الانقلابات العسكرية المتتالية في منطقة الساحل أعادت تشكيل العلاقات الأمنية بين الولايات المتحدة وهذه الدول، بحيث تقلصت النفوذ الأمريكي المباشر، لكنها لم تتوقف تمامًا.
ويأتي هذا التعاون في وقت وسعت فيه كل من مالي وبوركينا فاسو والنيجر شراكاتها العسكرية مع لاعبين آخرين، أبرزهم روسيا، ما أعاد ترتيب موازين القوى في المنطقة من الناحية الأمنية.
بالتوازي، تعمل واشنطن على تعزيز دعمها للنظام النيجيري، الذي يواجه تهديدات من جماعات إرهابية وعصابات مسلحة.
وأوضح الجنرال برينان أن الولايات المتحدة تسعى إلى تسريع تسليم معدات عسكرية إلى نيجيريا لتعزيز قدراتها التشغيلية، إضافة إلى توسيع تبادل المعلومات الاستخباراتية، بما يشمل طلعات جوية استطلاعية لدعم العمليات العسكرية على الأرض. وتعتبر واشنطن نيجيريا شريكًا أساسيًا في استراتيجيتها الأمنية لغرب أفريقيا.
من جهته، قال توماس غومار، مدير المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية المتخصص في الشؤون الجيوسياسية والأمن الدولي، إن استمرار تعاون الولايات المتحدة العسكري مع الأنظمة العسكرية في الساحل الإفريقي يعكس سعي واشنطن إلى حفظ وجودها الاستراتيجي في مواجهة تصاعد التنافس مع روسيا والصين.
وأضاف غومار أن واشنطن تدرك أن انسحابها الكامل أو ترك الساحة دون شريك محلي قوي قد يخلق فراغًا أمنيًا يمكن لروسيا أو الصين استثماره لتوسيع نفوذهما في منطقة حيوية من الناحية الجيوسياسية؛ خاصة وأن القوتين الأخيرتين تقدمان نماذج تعاون اقتصادي وعسكري تُنظر إليها بعض حكومات الساحل كبديل عن التبعيات التقليدية الغربية، وهو ما يوظفونه لتحقيق مصالحهم السيادية.
وأشار غومار إلى أن استراتيجية التعاون الأمني الأمريكية في الساحل الحالية تختلف عن مظاهر النفوذ التقليدي، فهي ليست مجرد علاقات دفاعية واضحة كما كانت في السابق، بل قنوات تواصل استخباراتية ودعم محدود يهدف إلى محاربة الجماعات الإرهابية المستفحلة في المنطقة دون إخراج الشركاء العسكريين المحليين من دائرة القرار.
وقال الخبير إن هذا النهج أكثر دقة ومرونة مقارنة بالاستراتيجيات القديمة، ما يسمح للولايات المتحدة بالحفاظ على مصالحها مع احترام حساسية القادة العسكريين في الساحل الذين يميلون إلى تقليل ارتباطاتهم بدول غربية أخرى.
وأشار إلى أن إدارة واشنطن الحالية باتت أكثر حرصًا على التحرك ضمن تحالفات مرنة وتقديم مساعدات تقنية واستخباراتية، ما يعزز قدرتها على التكيّف مع التحولات الحادة التي شهدتها الساحة السياسية والعسكرية في دول مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو خلال السنوات الأخيرة.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTQxIA== جزيرة ام اند امز