«ترحيل» رئيس بوركينا فاسو السابق.. توغو تفتح «صفحة جديدة» مع دول الساحل
اعتبر خبراء متخصصون في الساحل الأفريقي أن قرار توغو بترحيل رئيس بوركينا فاسو السابق بول - هنري داميبا، بعد أكثر من ثلاث سنوات من استضافته، يعد تحولًا واضحًا في مقاربة لومي للأمن الإقليمي.
كما رأوا أن هذا التطور يمثل فصلًا جديدًا في تداعيات محاولة الانقلاب التي شهدتها بوركينا فاسو في مطلع الشهر الجاري 2026، حيث بعدها تم اعتقال وترحيل رئيس بوركينا فاسو السابق بول-هنري سانداوغو داميبا من العاصمة التوغولية لومي، التي كان قد لجأ إليها منذ أكتوبر/تشرين الأول 2022.
وكان داميبا قد عاش في المنفى بتوغو بعد الإطاحة به على يد النقيب إبراهيم تراوري، وظل منذ ذلك الحين موضع اتهامات متكررة من قبل السلطات الانتقالية في واغادوغو بمحاولة زعزعة استقرار المجلس العسكري الذي خلفه.
وحتى الآن، تلتزم كل من لومي وواغادوغو الصمت، إذ لم تصدر أي تصريحات رسمية من سلطات البلدين بشأن هذا الترحيل.
وبحسب مصدر مطلع، فقد جرى اقتياد داميبا يوم الجمعة 16 يناير/كانون الثاني من مقر إقامته في حي "لومي 2" إلى محكمة الاستئناف، حيث أصدر قاضٍ قرارًا بشأن مصيره ووافق على طلب التسليم الذي تقدمت به السلطات في بوركينا فاسو، بحسب إذاعة "إر.إف.إي" الفرنسية.
وعقب صدور القرار، نقلت إليه بعض مقتنياته الشخصية من مجمع "الفلل الست" وهو مجمع سكني شديد الحراسة في العاصمة التوغولية، حيث لم يكن داميبا يتمتع بحرية حركة كاملة.
بعد ذلك، رافقه عناصر عسكريون إلى المطار يوم السبت، دون تأكيد رسمي للوجهة النهائية التي نُقل إليها.
ويعزز هذا الترحيل الرواية التي تروج لها سلطات واغادوغو بشأن وجود مؤامرة تستهدف نظام إبراهيم تراوري، إذ يتهم المجلس العسكري الحالي داميبا بالتخطيط للإطاحة به. وكانت آخر محاولة انقلاب مزعومة، وفق السلطات، قد أُحبطت في 3 يناير/كانون الثاني الجاري.
وبذلك، تستجيب توغو للمطالب المتكررة لبوركينا فاسو، وتتخلص في الوقت نفسه من شخصية كانت تشكل عامل توتر محتمل في العلاقات بين البلدين.
وحتى هذه اللحظة، لم تصدر أي معلومات رسمية من سلطات واغادوغو أو لومي بشأن عملية الترحيل أو الوجهة النهائية للرئيس الانتقالي السابق، علمًا بأن بوركينا فاسو أعادت في ديسمبر/كانون الأول الماضي العمل بعقوبة الإعدام “لبعض الجرائم”، من بينها جريمة الخيانة العظمى.
ما الدوافع وراء قرار توغو؟
من جانبه، قال عبدولاي غاي الخبير الأمني السنغالي، المتخصص في الحوكمة الأمنية والتحولات السياسية في الساحل لـ"العين الإخبارية"، إن قرار توغو بترحيل داميبا، بعد أكثر من 3 سنوات من استضافته، يعكس تحولًا واضحًا في مقاربة لومي للأمن الإقليمي.
وأوضح أن استضافة رئيس عسكري مخلوع متهم بتدبير انقلابات باتت عبئًا سياسيًا وأمنيًا، خصوصًا في ظل تصاعد عدم الاستقرار في الساحل، وتزايد الضغوط من الأنظمة العسكرية المجاورة.
وأضاف أن توغو تسعى أيضاً إلى تفادي الانزلاق إلى صراع غير مباشر مع المجلس العسكري الحاكم في بوركينا فاسو، في وقت تحرص فيه على الحفاظ على علاقات متوازنة مع جيرانها، وسط بيئة إقليمية شديدة الهشاشة.
ورأى أن استجابة توغو لطلب التسليم تعكس تحولًا إقليميًا نحو تضامن الأنظمة العسكرية، حيث باتت هذه الأنظمة تتبادل الدعم لمنع أي محاولات انقلاب مضادة.
وأضاف غاي أن إعادة العمل بعقوبة الإعدام في بوركينا فاسو تثير مخاوف جدية بشأن مصير داميبا، وقد تؤدي إلى تصعيد سياسي داخلي إذا استُخدمت قضيته لتوجيه رسائل ردع داخل المؤسسة العسكرية بدلا من فتح مسار تهدئة شامل.
وأشار إلى أن قرار توغو بترحيل داميبا لا يمكن فصله عن التحولات العميقة في الساحل الأفريقي، حيث تتقدم الحسابات الأمنية على الاعتبارات السياسية.
وأوضح أنه بينما قد يحقق هذا القرار هدوءًا مؤقتًا للمجلس العسكري في واغادوغو، لكن هناك مخاطر من أن منطق تصفية الخصوم قد يفاقم التوترات على المدى المتوسط، بدل أن يرسخ الاستقرار المنشود في بوركينا فاسو والمنطقة ككل.
هل يقود الترحيل إلى الاستقرار أم التصعيد؟
بدوره، قال الباحث الفرنسي المتخصص في شؤون الساحل الأفريقي، والحركات المسلحة والتحولات السياسية في مالي وبوركينا فاسو، وزميل في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية ماثيو بيليرين لـ"العين الإخبارية" إن ترحيل داميبا يندرج ضمن منطق تثبيت السلطة الذي تعتمده المجالس العسكرية في الساحل، أكثر من كونه خطوة قانونية بحتة.
وأوضح أن الأنظمة الانتقالية، وعلى رأسها نظام تراوري، تنظر إلى أي قائد سابق يتمتع بشبكات عسكرية على أنه تهديد محتمل، حتى في غياب أدلة علنية.
وحذر بيليرين من أن هذه الخطوة قد تمنح السلطة في واغادوغو مكسبًا أمنيًا مؤقتًا، لكنها لا تعالج جذور الانقسامات داخل الجيش، بل قد تدفع بعض الضباط الساخطين إلى العمل في الخفاء، ما يزيد من هشاشة التوازن الداخلي.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuNTYg جزيرة ام اند امز