بين انقلابات مزعومة وإرهاب صامت.. بوركينا فاسو إلى أين؟
بين «انقلابات مزعومة مُحبَطة» تثار حوله الشكوك، وحرب مفتوحة مع الإرهاب تفتك بالمدن والقرى والعقول، تقف بوركينا فاسو عند مفترق أخطر من مجرد أزمة أمنية عابرة.
فبينما تروج السلطة العسكرية رواية مؤامرات متكررة واعترافات متلفزة لتثبيت الحكم، يواصل العنف الإرهابي تمزيق المجتمع، مخلفًا قتلى ونازحين وجراحًا نفسية عميقة لا تقل خطورة عن الرصاص.
هنا، لا يبدو الصراع محصورًا بين الدولة وخصومها، بل ممتدًا إلى ثقة المواطنين، وذاكرتهم، وقدرتهم على الصمود في وطن يعيش على إيقاع الخوف الدائم.
في هذا السياق الملبد، تتقاطع الشكوك السياسية مع الانهيار النفسي الجماعي، لتكشف—كما تقول الباحثة التشادية نياغالي باغايوكو—أن ما يجري في بوركينا فاسو «ليس مجرد أزمة أمنية، بل أزمة دولة ومجتمع».
استقرار هش
فحين تُدار المخاطر بلغة التعبئة والاتهام، ويجرى إهمال النزيف النفسي الذي خلفته سنوات الإرهاب، يصبح الاستقرار وهمًا هشًا، وتتحول الانقلابات المُعلَنة والانتصارات العسكرية إلى غطاء لأزمة أعمق: دولة تقاتل بالسلاح، بينما ينفلت المجتمع من بين يديها بصمت.
فهل تواجه البلاد تهديدا حقيقيا، أم تُعاد صياغة الخوف كأداة سياسية لإدامة الحكم؟
تقول قناة «تي في 5 موند» الفرنسية، إن الاعترافات التي أدلى بها مدنيون وعسكريون بشأن مشاركتهم في مشروع مزعوم لزعزعة حكم المجلس العسكري في بوركينا فاسو، والتي بثت على مدى عدة أيام عبر التلفزيون الرسمي، اعتبرها بعض المحللين السياسيين لا تزال يكتنفها الغموض.
والأسبوع الماضي، أعلن المجلس العسكري الحاكم في بوركينا فاسو أنه أحبط «للمرة الألف» محاولة جديدة لـ«زعزعة الاستقرار»، كانت، بحسب قوله، تستهدف تصفية رئيسه، الكابتن إبراهيم تراوري، موجهًا أصابع الاتهام إلى اللفتنانت كولونيل السابق بول-هنري ساندوغو داميبا باعتباره العقل المدبر لهذه العملية.
وكان داميبا قد وصل إلى السلطة في يناير/كانون الثاني 2022 عبر انقلاب عسكري أطاح بالرئيس روش مارك كريستيان كابوري، قبل أن يُقصى هو نفسه بعد ثمانية أشهر فقط في انقلاب ثانٍ قاده الكابتن تراوري، الذي لا يزال في الحكم حتى اليوم.
وبين اتهامات بمحاولة انقلاب، واعترافات تبث على التلفزيون الرسمي، وأموال يقال إنها جاءت من الخارج، تتكاثر الشكوك في بوركينا فاسو حول حقيقة ما جرى، فالرواية الرسمية التي تتحدث عن إحباط مخطط لاغتيال رأس السلطة العسكرية تواجه تشكيكًا متصاعدًا من محللين وصحفيين يرون فيها «مناطق ظل» كثيرة.
وقال وزير الأمن، محمدو سانا، في تصريح للتلفزيون الرسمي، إن يوم الثالث من يناير/كانون الثاني «كان من المقرر أن يشهد عملية لزعزعة استقرار البلاد (..) عبر سلسلة اغتيالات تستهدف السلطات المدنية والعسكرية، تبدأ بتحييد الرفيق الكابتن إبراهيم تراوري».
وإلى جانب اتهام داميبا، الذي يقيم في المنفى في توغو، وجه الوزير اتهامات مباشرة إلى كوت ديفوار، الدولة المجاورة التي تشهد علاقاتها مع واغادوغو توترًا شديدًا، متهمًا إياها بتمويل العملية المفترضة، ولا سيما عبر تحويل مالي قُدّر بنحو 70 مليون فرنك أفريقي (ما يعادل نحو 106 آلاف يورو).
سيناريوهات غير معقولة
وعلى مدى أربعة أيام، دعمت السلطات هذه المزاعم بسلسلة من «الاعترافات» لمشتبه بتورطهم، بثت مساءً على شاشة التلفزيون الرسمي، وأكد جميعهم أنهم تصرفوا بناءً على تعليمات من داميبا.
ووفقاً للمحطة الفرنسية، فإن أول هؤلاء كان مادي ساكاندي، رجل في الستين من عمره قدم على أنه تاجر وعنصر محوري، قال إنه سافر إلى كوت ديفوار لاستلام مبلغ 70 مليون فرنك أفريقي.
وأضافت: «ثم ظهر عسكري آخر، هو الكابتن بروسبير كولدياتي، الذي أفاد بأن مهمته كانت قطع رأس قائد قاعدة الطائرات بدون طيار (درون) في سابوني، على بعد 30 كيلومترًا جنوب واغادوغو، لمنع أي تدخل جوي».
وصرح الرقيب الأول سالفو يالويوغو، العامل ضمن الحرس الجمهوري، بأنه تلقى اتصالًا من داميبا لـ«تعبئة رجال لتنفيذ انقلاب»، قبل أن يُلقى القبض عليه بعد أيام وبحوزته «رشاشان من طراز بي كا إم إس وعدة صناديق ذخيرة».
ومنذ استيلائه على السلطة في هذا البلد الذي يعاني من عنف الجماعات الإرهابية، دأب المجلس العسكري على الإعلان مرارًا عن إحباط مخططات تستهدف الإطاحة به.
إحياء الدعم للمجلس العسكري
في أبريل/نيسان 2025، كانت بوركينا فاسو قد اتهمت بالفعل كوت ديفوار وأوقفت نحو عشرة ضباط وضباط صف. غير أن السلطات الإيفوارية نفت دائمًا هذه الاتهامات.
كما أنها ليست المرة الأولى التي يتهم فيها داميبا؛ ففي سبتمبر/أيلول 2024، قدمه نظام واغادوغو بوصفه قائد «الشق العسكري لمؤامرة واسعة».
ويشير محلل بوركينابي آخر، طلب بدوره عدم ذكر اسمه، إلى أن «هناك محاولة انقلاب محبطة تقريبًا كل أربعة إلى ستة أشهر».
وفي كل مرة، تستخدم المناسبة لتعبئة الشارع وتجديد الدعم لرئيس الدولة. لكن الإكثار من الصراخ بوجود خطر قد يؤدي في النهاية إلى فقدان المصداقية، بحسب المحلل.
ويؤكد أحد سكان واغادوغو: «عند الإعلان عن هذه المحاولة، خرج أنصار المجلس العسكري للتظاهر دعمًا للنظام، لكن يجب الاعتراف بأن الحماسة لم تعد كما كانت في السابق».
وفي عام 2025، لجأت السلطة العسكرية إلى استخدام صور معدلة لمشاهير عالميين مثل المغنية بيونسيه أو البابا ليو الرابع عشر ضمن «حملة تضليل واسعة هدفت إلى تمجيد صورة الكابتن تراوري، بعيدًا عن أحداث العنف التي تحصد الأرواح في البلاد، وعن قمع الأصوات المعارضة»، بحسب محللين.
فهل الحل أمني؟
بينما تركز السلطات العسكرية الحاكمة على الملف الأمني، معتبرة إياه أولوية قصوى، حذر خبراء يحذرون من أن تجاهل الصحة النفسية قد يقوض أي انتصار عسكري محتمل، إذ لا يمكن بناء استقرار دائم على مجتمع محطم نفسيًا، فالجندي، كما المدني، يحتاج إلى علاج نفسي بقدر حاجته إلى الأمن والغذاء.
وتقول نينا ويلين، مديرة برنامج أفريقيا في معهد إيغمونت للعلاقات الدولية، وهو مركز أبحاث بلجيكي: «التضليل حاضر بقوة في بوركينا فاسو، والفريق المحيط بالكابتن تراوري بارع جدًا في نشر الشائعات والأخبار الزائفة التي تخدم النظام».
وتابعت: «هذه الرواية عن انقلاب فاشل تبدو غير محتملة إلى حد بعيد».
وتشير التقديرات إلى أن نحو 40٪ من السكان البالغين في بوركينا فاسو، يعانون من اضطرابات نفسية مرتبطة مباشرة بالعنف، والتهجير، والخوف المستمر.
من جانبها، قالت نياغالي باغايوكو، الباحثة التشادية المتخصصة في قضايا الأمن الأفريقي والعلاقات المدنية-العسكرية، لـ«العين الإخبارية»، إن ما يحدث في بوركينا فاسو «ليس مجرد أزمة أمنية، بل أزمة دولة ومجتمع».
ورأت أن إهمال الصحة النفسية يساهم في إعادة إنتاج العنف، لأن الأفراد المصابين بصدمات غير معالجة يصبحون أكثر عرضة للتطرف أو للانفجار الاجتماعي، مشيرة إلى أن أي استراتيجية لمكافحة الجماعات المسلحة يجب أن تتضمن برامج دعم نفسي جماعي، لا تقل أهمية عن العمليات العسكرية.
من جانبه، شدد الباحث البنيني ماتياس هونكبِه، الباحث في شؤون الحوكمة والتحولات السياسية في غرب أفريقيا لـ«العين الإخبارية» على أن الأنظمة العسكرية تميل إلى التعامل مع الحرب بمنطق القوة فقط.
وأضاف أن تجاهل الجراح النفسية «يضعف الثقة بين الدولة والمجتمع»، محذرًا من أن جيلًا كاملًا من الأطفال المتأثرين بالصراع قد ينشأ وهو يحمل ذاكرة عنف غير مُعالَجة، ما يهدد مستقبل البلاد السياسي والاجتماعي لعقود قادمة.
وأوضح أنه في بوركينا فاسو، لا يكفي إسكات البنادق لشفاء الوطن. فالحرب تركت ندوبًا لا ترى بالعين المجردة، لكنها تنزف في العقول والقلوب، مشيرًا إلى أنه دون استثمار حقيقي في الصحة النفسية، سيبقى السلام هشًا، وستظل الجراح المفتوحة تهدد بإعادة إشعال العنف من جديد.
مدن تحت الحصار
في مدينة واهيغويا شمال البلاد، يروي جول (اسم مستعار لحمايته) مشاهد يومية أصبحت مألوفة حد الصدمة، فالشباب يتجولون في الشوارع بملامح شاردة، يتحدثون إلى أنفسهم، فقدوا الاتصال بالواقع بعد أن طُردوا من قراهم على يد الجماعات المسلحة، بحسب صحيفة "ويست فرانس" الفرنسية.
وهذه المدينة، التي تحولت إلى ملاذ لعشرات آلاف النازحين، تعيش تحت حصار غير معلن. فالهجمات المتكررة، وانقطاع الطرق، وندرة الغذاء، كلها عوامل عمّقت الإحساس بالعجز والخوف.
وخلال عشر سنوات من الصراع، لم يقتصر الدمار على البنية التحتية، بل امتد إلى النسيج النفسي والاجتماعي للمجتمع.
اضطراب ما بعد الصدمة
وأشارت الصحيفة الفرنسية إلي ما أسمته بـ"الاضطراب ما بعد الصدمة"، موضحة أن تلك الحالة لم يعد حالة فردية في بوركينا فاسو، بل ظاهرة جماعية، الأطفال الذين شهدوا ذبح أقاربهم، والنساء اللواتي تعرضن لانتهاكات، والرجال الذين فشلوا في حماية أسرهم، جميعهم يعيشون كوابيس، نوبات هلع، اكتئابًا حادًا، وأحيانًا انهيارات عقلية كاملة.
وأوضحت الصحيفة الفرنسية أن المشكلة الأكبر تكمن في غياب البنية التحتية للصحة النفسية، فعدد الأطباء النفسيين محدود جدًا، وغالبًا ما يتمركزون في العاصمة، بينما تعيش المناطق الريفية والشمالية شبه عزلة تامة عن أي دعم متخصص.
الوصمة الاجتماعية
في مجتمع محافظ، لا تزال الاضطرابات النفسية تفسر أحيانًا على أنها مس روحي أو لعنة. هذا الفهم التقليدي يدفع كثيرين إلى اللجوء إلى مشعوذين بدل المختصين، ويفاقم الحالات بدل علاجها.
كما أن الخوف من الوصم الاجتماعي يمنع العديد من الضحايا من طلب المساعدة، فيتحول الألم النفسي إلى قنبلة موقوتة.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuNTYg جزيرة ام اند امز