ماري أنطوانيت متهمة.. هل أشعل «الكعك» ثورة فرنسا؟
«فليأكلوا الكعك»، عبارة منسوبة لملكة فرنسا ماري أنطوانيت، ويقال إنها أشعلت الثورة باعتبارها دليلا عن انفصالها عن واقع الشعب ومعاناته.
غير أن هذا الاقتباس الشهير يُعد، وفقًا لغالبية المؤرخين، واحدًا من أكثر الأقوال التاريخية المنسوبة زورًا إلى شخصية عامة، وفقا لموقع «ذا كولكتور» المعني بالتاريخ.
فالعبارة المتداولة هي ترجمة غير دقيقة للجملة الفرنسية «Qu’ils mangent de la brioche»، أي «فليأكلوا البريوش»، وهو نوع من الخبز الغني بالزبدة والبيض ويُعد طعامًا فاخرًا.
ويُعتقد أن هذه الجملة قيلت ردًا على شكاوى من نقص الخبز بين الفلاحين، لكنها لم تصدر - على الأرجح - عن ماري أنطوانيت.
ورغم أن الملكة لم تقل هذه العبارة على الأرجح، لكنها تحولت مع مرور الزمن إلى رمز لتجاهل الطبقات العليا لمعاناة الطبقات الدنيا عشية الثورة الفرنسية، ما ساهم في ترسيخ صورة نمطية سلبية عنها في الذاكرة الجماعية.

ملكة «أجنبية» في فرنسا
وُلدت ماري أنطوانيت أميرة نمساوية، وتزوجت وريث العرش الفرنسي لويس السادس عشر عام 1770 وهي في الرابعة عشرة من عمرها.
وعندما اعتلى زوجها العرش عام 1774، أصبحت ملكة فرنسا، إلا أن نفوذها السياسي ظل محدودًا.
وبسبب أصولها النمساوية، نُظر إليها بعين الريبة باعتبارها «أجنبية»، كما ضاق صدرها بقيود الدور الملكي التقليدي، فوجدت ملاذها في حياة الترف داخل قصر فرساي.
ومع تصاعد الأزمات الاقتصادية واقتراب الثورة، عزز هذا السلوك صورة انفصال البلاط عن واقع الشعب ومعاناته.
السياق التاريخي للثورة الفرنسية
اندلعت الثورة الفرنسية عام 1789 نتيجة تراكم عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية معقدة، أبرزها فشل المحاصيل الزراعية، وانتشار المجاعة، وارتفاع أسعار الخبز، والنظام الضريبي غير العادل، إضافة إلى الديون الهائلة التي تكبدتها فرنسا جراء دعمها حرب الاستقلال الأمريكية.
وقد بلغ الغضب الشعبي ذروته باقتحام سجن الباستيل في 14 يوليو/تموز 1789، في حدث شكّل الانطلاقة الرمزية للثورة ضد النظام الملكي.
تشويه السمعة وسقوط الملكة
تضررت سمعة ماري أنطوانيت بشدة بسبب ما عُرف بـ«قضية عقد الماس»، رغم ثبوت براءتها لاحقًا، كما لُقبت بـ«مدام ديفيسيت» (سيدة العجز) تحميلًا لها مسؤولية الإفلاس المالي للدولة.
وخلال الثورة، نُسبت إليها اتهامات أخلاقية ومؤامرات سياسية هدفت إلى تأليب الرأي العام ضدها.

وبعد فشل محاولة هروب العائلة المالكة، أُلغيت الملكية عام 1792، وأُعدم لويس السادس عشر في يناير/كانون الثاني 1793، ثم حوكمت ماري أنطوانيت بتهمة الخيانة العظمى وأُعدمت بالمقصلة في 16 أكتوبر/تشرين الأول 1793.
«فليأكلوا البريوش».. الأصل
لا يعود أصل العبارة إلى ماري أنطوانيت، بل ورد أول ذكر لها في كتاب «الاعترافات» للفيلسوف جان جاك روسو، الذي نُشر عام 1782، حيث نسبها إلى «أميرة عظيمة» دون تسميتها.
وفي ذلك الوقت، كانت ماري أنطوانيت طفلة في التاسعة من عمرها تعيش في النمسا، ولا توجد أي أدلة على لقائها بروسو، ما يجعل نسبة القول إليها غير منطقية تاريخيًا.
أما أقدم مصدر يربط العبارة صراحة بماري أنطوانيت فيعود إلى عام 1843، أي بعد نحو نصف قرن من الثورة الفرنسية، وذلك في مجلة «Les Guêpes» للكاتب جان بابتيست ألفونس كار.
لماذا التصقت العبارة باسم ماري أنطوانيت؟

يرى المؤرخون أن المعارضة الملكية استخدمت شخصية ماري أنطوانيت أداةً دعائية فعالة لتأجيج الغضب الشعبي، إذ مثّلت كونها امرأة وأجنبية وملكة في زمن الأزمات هدفًا مثاليًا للتشويه.
وخلال الجمهورية الفرنسية الثالثة، بدءًا من عام 1870، جرى توظيف العبارة ضمن عملية إعادة كتابة التاريخ وتشويه رموز النظام الملكي السابق.
كما يشير بعض الباحثين إلى أن التمييز الجنسي لعب دورًا في شيطنة صورة الملكة، في سياق أوسع سعى إلى إقصاء النساء عن المجال السياسي خلال الثورة وبعدها.
وتذهب بعض المصادر إلى أن العبارة تعود إلى ما قبل ولادة ماري أنطوانيت بنحو قرن، وربما نُسبت إلى ماريا تيريزا، زوجة لويس الرابع عشر، بحسب مذكرات لويس الثامن عشر.
بين الأسطورة والواقع

تُظهر مراسلات ماري أنطوانيت الخاصة تعاطفًا واضحًا مع الفقراء خلال فترات المجاعة، مثل «حرب الدقيق» عام 1775 وأزمة عام 1788، وهو ما يتناقض مع العبارة المنسوبة إليها.
كما تؤكد المؤرخة أنطونيا فريزر أن الملكة كانت راعية لعدد من الجمعيات الخيرية وسعت، في حدود صلاحياتها، إلى مساعدة المحتاجين.
وبناءً على ذلك، تمثل عبارة «فليأكلوا الكعك» مثالًا كلاسيكيًا على الإسناد التاريخي الخاطئ، إذ جرى توظيفها كسلاح دعائي لتكريس صورة ملكة متغطرسة ومنفصلة عن شعبها، وهي صورة ظلت راسخة في الوعي العام عبر القرون، رغم افتقارها إلى أساس تاريخي موثوق.