«أوروبا العظمى».. خطط على أوراق بروكسل
في ظل التحولات المتسارعة عالميا، يسعى قادة الاتحاد الأوروبي لتجاوز خلافاتهم الداخلية وبناء تكتل قادر على لعب دور قوة جيوسياسية كبرى.
وقد كشفت التطورات الأخيرة، من تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي تراوحت من غرينلاند، إلى الحرب الروسية في أوكرانيا، وصولًا إلى المنافسة الصينية، عن هشاشة الموقع الأوروبي في عالم يتجه نحو صراع القوى العظمى.
بيد أن إدراكا أوروبيا متزايدا بدأ يتكشف خلال قمة طارئة في بروكسل، بأن المرحلة المقبلة تتطلب «مزيدًا من أوروبا»، بحسب صحيفة "التليغراف".
هذا الشعار التقليدي عاد بقوة، لكن في سياق أكثر حدة، عنوانه السيادة الأوروبية والاستقلال الاستراتيجي.
ويقود هذا التوجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، بعد سنوات من التباين بين باريس وبرلين، حيث باتا متفقين على أن أوروبا لم تعد قادرة على الاكتفاء بدور تابع في منظومة يقودها الآخرون.
ويرى قادة الاتحاد أن تعزيز النفوذ الأوروبي يستلزم ثلاثة مسارات متوازية: التوسع، وتعزيز الاقتصاد، وبناء قدرات دفاعية أكثر استقلالًا. فالتوسع، الذي كان ملفًا حساسًا لسنوات، عاد إلى الواجهة بقوة بعد العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا.
واليوم، تتطلع تسع دول على الأقل للانضمام إلى الاتحاد، في مقدمتها أوكرانيا، التي يُنظر إلى عضويتها كجزء من أي تسوية سلام مستقبلية. كما تدرس بروكسل صيغًا مبتكرة للانضمام التدريجي، تمنح الدول المرشحة بعض حقوق العضوية قبل استكمال الإصلاحات المطلوبة، رغم ما يثيره ذلك من مخاوف لدى دول غرب البلقان التي تنتظر منذ سنوات.
إلى جانب أوكرانيا، تشمل قائمة الطموحات الأوروبية دول البلقان، ومولدوفا، وجورجيا، وربما أيسلندا، في ظل قلق متزايد من تقلبات السياسة الأمريكية. ويُنظر إلى هذا التوسع باعتباره عامل استقرار وأمن، خاصة على الجناح الشرقي للاتحاد في مواجهة النفوذ الروسي. كما أن انضمام أوكرانيا، بجيشها الكبير وخبرتها العسكرية، قد يحولها إلى «حصن فولاذي» يردع أي عدوان مستقبلي.
اقتصاديًا، يظل السلاح الأقوى للاتحاد الأوروبي هو سوقه الموحدة التي تضم مئات الملايين من المستهلكين. وتسعى بروكسل إلى تعزيز القدرة التنافسية عبر تقليص البيروقراطية، ودمج أسواق رأس المال، وتحويل المدخرات إلى استثمارات، بالتوازي مع تقليل الاعتماد على روسيا في الطاقة، وعلى الصين في المعادن النادرة.
كما كثّف الاتحاد جهوده لعقد اتفاقيات تجارية مع شركاء موثوقين، من كندا والمكسيك إلى دول أمريكا الجنوبية والهند، بهدف تحصين اقتصاده من الابتزاز التجاري.
أما على الصعيد العسكري، فيدرك القادة الأوروبيون أن أي طموح جيوسياسي لا يكتمل دون قوة دفاعية معتبرة. فقد أدت العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا إلى تسريع برامج إعادة التسلح، وزيادة الإنفاق الدفاعي، وإطلاق مبادرات تمويل مشتركة لتطوير أنظمة تسليح أوروبية.
ومع ذلك، لا يزال الاعتماد على الولايات المتحدة، سواء عبر حلف الناتو أو من خلال التكنولوجيا العسكرية، واقعًا لا يمكن تجاوزه في المدى المنظور.
في موازاة ذلك، يتجه الاتحاد إلى تجاوز قاعدة الإجماع في بعض القضايا الحساسة، بعد أن عطّلت دول بعينها قرارات محورية، لا سيما بشأن أوكرانيا. ويجري الحديث عن «أوروبا متعددة السرعات»، تسمح لمجموعات من الدول بالمضي قدمًا في التكامل، مع فتح الباب أمام شراكات أوثق مع دول خارج الاتحاد، مثل بريطانيا، التي قد تجد نفسها منجذبة مجددًا إلى فلك بروكسل.
وإجمالا، تبدو أوروبا أمام مفترق طرق تاريخي. فإما أن تنجح في إعادة صياغة ذاتها كقوة موحدة وقادرة على الدفاع عن مصالحها في عالم مضطرب، أو تبقى عالقة بين طموحات كبرى وقيود داخلية تعرقل تحولها إلى «أوروبا العظمى» التي يتحدث عنها قادتها.