«التصنيف لا يكفي».. خبراء يحددون لـ«العين الإخبارية» خطوط معركة أوروبا مع الإخوان
لم يعد تصنيف تنظيم الإخوان على لوائح الإرهاب، في حد ذاته، كافيًا لمواجهة تمدد الجماعة داخل أوروبا، في ظل شبكة معقدة من الهياكل القانونية والجمعيات والواجهات التي تتيح لها التحرك بحرية تحت غطاء الحريات العامة.
فبينما تتجه عواصم غربية، على رأسها واشنطن وباريس، إلى التضييق وتشديد الخطاب السياسي ضد التنظيم، يصطدم هذا التوجه بواقع قانوني أوروبي يجعل من التصنيف خطوة رمزية أكثر منها أداة ردع فعّالة، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول جدوى القرارات الحالية وقدرة أوروبا على تحويلها إلى إجراءات حقيقية تكبح النفوذ الإخواني المتغلغل في مجتمعاتها.
- الإخوان في أوروبا.. إيرلندا على خط المواجهة
- قرار فرنسا بشأن الإخوان.. ضوء على «الجمعيات الوهمية» في أوروبا
وفي هذا الإطار، اعتبر خبراء سياسيون فرنسيون تحدثت إليهم «العين الإخبارية» أن التصنيف الرمزي لتنظيم الإخوان والجماعات المتطرفة في الخارج لم يعد كافيًا في أوروبا، وذلك عقب قرار البرلمان الفرنسي الدعوة إلى إدراج تنظيم الإخوان ضمن القائمة الأوروبية للمنظمات الإرهابية، مؤكدين أن الإجراءات الحالية تواجه تحديات قانونية وسياسية كبيرة قد تحد من فعاليتها على أرض الواقع.
وكانت الولايات المتحدة قد اعتبرت، في 13 يناير/كانون الثاني، جماعة الإخوان في مصر ولبنان والأردن «منظمة إرهابية أجنبية».
وفي السياق نفسه، صادقت الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) على قرار يدعو إلى إطلاق إجراءات لإدراج الجماعة على القائمة الأوروبية للمنظمات الإرهابية.
ويأتي هذا التصويت ضمن سياق دولي أوسع، يتسم بتصاعد الضغوط السياسية والأمنية لمواجهة التنظيمات ذات الخلفية الأيديولوجية العابرة للحدود، وعلى رأسها تنظيم الإخوان.
التصنيف لا يكفي
وحول الأبعاد والتداعيات المحتملة لمثل هذه القرارات، قال أستاذ التاريخ المعاصر في جامعة باريس الأولى «بانتيون-سوربون»، بيير فيرمان، المتخصص في منطقة المغرب العربي والمشارك في تأليف كتاب «الإخوان المسلمون في مواجهة السلطة»، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن التصنيف الأوروبي وحده لا يكفي لمواجهة تأثير الإخوان على الأراضي الأوروبية، مشددًا على ضرورة تبني استراتيجيات أكثر شمولًا وفاعلية.
وأشار إلى أن تأثير هذه الحركة الإسلامية السنية، التي تأسست في مصر منذ عشرينيات القرن الماضي وتحمل بعدًا شموليًا، تراجع في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة تحت ضغط قوى دولية وإقليمية، غير أن نفوذها في أوروبا لا يزال قائمًا.
وأضاف فيرمان أن مثل هذه القرارات تحمل رسائل سياسية ودبلوماسية مهمة، لكنها لا تمنح فرنسا أو أي دولة أوروبية القدرة على فرض تصنيف إرهابي على منظمات تعمل خارج حدودها.
وأوضح أن آثار القرار الأوروبي ستقتصر، في الغالب، على إجراءات مالية مثل تجميد الأصول وحظر التمويل، أكثر من كونها أداة قانونية أو أمنية مباشرة، لافتًا إلى التحديات التي تواجهها الدول الأوروبية عند التعامل مع تنظيم الإخوان داخل أراضيها، خصوصًا في ظل الانتشار الإقليمي المتنوع للجماعة والضغوط السياسية الدولية المصاحبة لمثل هذه القرارات.
وقال: «من المهم أن تشمل الإجراءات مراقبة التمويل، وتجميد الأصول، وتعقب الشبكات التابعة لهم في أوروبا، بدل الاقتصار على مجرد التصنيف الرمزي».
وأوضح أن بعض الدول العربية، التي اتخذت سابقًا تدابير صارمة ضد الجماعة، نجحت في الحد من نشاطها السياسي والاجتماعي عبر هذه الإجراءات العملية، ما يعكس الحاجة إلى تطبيق نموذج مشابه داخل القارة الأوروبية.
وأكد فيرمان أن التعاون الدولي يشكل مفتاح المواجهة الحقيقية، داعيًا إلى تنسيق سياسات مكافحة الإرهاب بين الاتحاد الأوروبي وحلفائه الدوليين، لضمان عدم تمكّن الجماعة من الاستفادة من الثغرات القانونية أو المالية بين الدول.
وأضاف: «يمكن للاتحاد الأوروبي أن يضع إطارًا موحدًا للإجراءات القانونية والعقوبات المالية، بما يضمن أن أي نشاط تابع للإخوان خارج الحدود سيقابل برد موحد وحاسم، وليس مجرد توصية شكلية»، في دعوة واضحة لتحويل القرارات الرمزية إلى أدوات عملية حقيقية لمكافحة النفوذ الإخواني في أوروبا.
عراقيل المواجهة
من جهته، قال فرانك فريغوسي، مدير الأبحاث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، والمتخصص في شؤون الإسلام السياسي في فرنسا، لـ«العين الإخبارية»، إن حظر الجماعة في فرنسا يواجه صعوبات بنيوية بسبب طبيعتها التنظيمية، إذ لا تمتلك كيانًا مؤسسيًا موحدًا، ما يجعل أي حل قضائي شامل أمرًا شبه مستحيل.
وأضاف أن غالبية ممثلي الجماعة يعلنون أنهم أعضاء سابقون وغير مرتبطين رسميًا بالحركة، كما أن محاولات سابقة لإغلاق مدارس أو جمعيات مرتبطة بها اصطدمت بتحديات قانونية كبيرة أمام المحاكم الإدارية والدستورية، وحتى محكمة حقوق الإنسان الأوروبية، بحجة حماية الحريات الأساسية.
بدوره، قال بيير ليلوش، الدبلوماسي الفرنسي السابق والعضو البارز في حزب الجمهوريين، لإذاعة «يوروب1» الفرنسية، إن رفض بعض الأحزاب اليسارية تصنيف الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية يشكل خلطًا خطيرًا بين التنظيم الإرهابي والمسلمين في فرنسا، ما يثير مخاوف من وصم جماعي للمسلمين.
وقال: «الأحزاب التي تدافع عن الإخوان تقوم فعليًا بتعميم الجماعة على جميع المسلمين، وتوحي ضمنيًا بأن كل مسلم له صلة بهذا التنظيم، وهو أمر كارثي».
وأشار ليلوش إلى أن الإخوان يستغلون الدين لأغراض سياسية ولتوسيع نفوذهم الدولي، مؤكدًا أن ذلك لا يمثل الإسلام كدين، بل مشروعًا سياسيًا يسعى لبسط إمبراطورية أيديولوجية عالمية.
وشدد على أن تصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية لا يعني استهداف المسلمين، بل يهدف إلى الفصل الواضح بين نشاط جماعة سياسية محددة وباقي المؤمنين، بما يضمن الحماية القانونية والأمنية للمجتمع.
تقدم مهم
من جهتها، قالت آن كوفينييه، مؤسسة مؤسسة «كايروس» للابتكار التعليمي في معهد فرنسا، إن هذه الخطوة تمثل تقدمًا مهمًا على صعيد الاعتراف الرسمي بخطر الإخوان، بوصفهم تهديدًا أيديولوجيًا، بحسب صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية.
وأشارت إلى أن القرار الفرنسي جاء بعد أيام من إعلان الولايات المتحدة، في 13 يناير/كانون الثاني، تصنيف الإخوان في مصر ولبنان والأردن «منظمات إرهابية أجنبية»، موضحة أنه رغم تصنيف عدد من الدول للجماعة، فإن الاتحاد الأوروبي لم يصدر حتى الآن حظرًا شاملًا، باستثناء النمسا التي حظرت الحركة عقب هجمات فيينا عام 2020، بينما لا تزال الجماعة غير محظورة في دول أوروبية أخرى.
وأضافت كوفينييه أن القانون الفرنسي لا يسمح بحظر الأيديولوجيات، باستثناءات محدودة مثل النازية أو معاداة السامية، وأن أي إجراء رسمي يتطلب إثبات جرائم محددة صادرة عن هياكل أو قادة بعينهم، ما يجعل الحل الممكن محصورًا في إجراءات مستهدفة، تشمل إغلاق مؤسسات بعينها، أو ملاحقة قادة قضائيًا، أو مصادرة أموال مرتبطة بأنشطة غير قانونية.
وأكدت أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، لا تكفي للقضاء على الأيديولوجيا، وقد تعزز خطاب «الضحية» واتهام الدولة بالإسلاموفوبيا، بما قد يؤدي إلى تفاقم التطرف بدل احتوائه.
وأوضحت أن هذه الإشكالية تتجلى بوضوح في قطاع التعليم، إذ تحاول الحكومة الفرنسية منذ عام 2023 إنهاء عقود الشراكة مع عدد من المدارس الخاصة المسلمة، غير أن هذه الإجراءات غالبًا ما تُلغى أو تواجه طعونًا قضائية، كما حدث مع مدارس «أفيرويس» في ليل و«الكوندي» في ليون، ما يعكس صعوبة فرض السلطة التنفيذية على الأرض في ظل براعة تنظيم الإخوان في المنازعات الإدارية والقانونية.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTQxIA== جزيرة ام اند امز