قرار فرنسا بشأن الإخوان.. ضوء على «الجمعيات الوهمية» في أوروبا
بقرارها ضد الإخوان، توجه فرنسا كشافاتها نحو «المنطقة الرمادية» في أوروبا، هناك حيث تنشط جمعيات تحت أسماء وهمية تغطي ارتباطها بالجماعة.
والخميس، اعتمد النواب الفرنسيون نصا يدعو إلى إدراج الإخوان على القائمة الأوروبية للمنظمات الإرهابية، في إجراء حظي بدعم المعسكر الحكومي وحزب التجمع الوطني (أقصى اليمين).
ويدعو النص غير الملزم المفوضية الأوروبية إلى الشروع في إجراء لإدراج "الإخوان ومسؤوليها على اللائحة الأوروبية للمنظمات الإرهابية"، كما يطلب من الاتحاد الأوروبي "تقييما قانونيا وواقعيا لشبكة الجماعة العابرة للحدود".
وتقدّمت كتلة اليمين الجمهوري بالمقترح، داعية إلى الاعتراف القانوني من قبل تكتل القارة العجوز بالطابع السياسي للفكر الانفصالي الذي تتبناه الجماعة، وتصنيفه ضمن خانة الإرهاب.
وجاء التصويت بعد نحو خمس ساعات من نقاشات حادة، حيث أُقرّ النص بـ157 صوتًا مقابل 101، في إطار "النافذة البرلمانية" المخصصة لحزب "الجمهوريون".
ورغم أن القرار غير ملزم قانونيًا للحكومة الفرنسية أو لمؤسسات الاتحاد الأوروبي، إلا أنه يحمل دلالة سياسية قوية، ويمثل، بحسب مؤيديه، كسرًا لحالة إنكار طويلة بشأن طبيعة الإخوان وأدوارهم العابرة للحدود.
واعتبرت نخبة من السياسيين والخبراء أنه يمثل انتصارًا واضحًا لقيم الجمهورية الفرنسية، وخطوة متقدمة في مواجهة "التغلغل المنهجي" للإخوان داخل المجتمعات الأوروبية.
«قرار أمني»
في قراءته للقرار، يرى ألكسندر دلفال، أستاذ العلوم السياسية الفرنسي المتخصص في التنظيمات المتطرفة، أنه «يمثل منعطفًا فكريًا وسياسيًا بالغ الأهمية في مقاربة فرنسا لظاهرة الإسلام السياسي».
ويقول دلفال، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن هذا القرار لا يستهدف ديانة أو مواطنين، بل يواجه تنظيمًا أيديولوجيًا له مشروع واضح يتعارض جذريًا مع أسس الدولة الوطنية وقيم الجمهورية والعلمانية».
وأوضح أن «الإخوان لا يعملون وفق منطق العنف المباشر فقط، بل يعتمدون أساسًا على استراتيجية التغلغل الهادئ داخل المؤسسات التعليمية، والجمعيات، والفضاء القانوني، مستغلين الحريات الديمقراطية نفسها لإضعافها من الداخل».
ويعتبر أستاذ العلوم السياسية أن «تجاهل هذا النمط من العمل لعقود كان خطأً استراتيجيًا سمح ببناء شبكات نفوذ فكرية وتنظيمية يصعب تفكيكها لاحقًا دون قرار سياسي واضح مثل القرار الذي اتخذه البرلمان الفرنسي».
وشدد على أن تصنيف الإخوان في الإطار الأوروبي لا يجب فهمه كإجراء رمزي، بل كأداة عملية لتجفيف منابع التمويل، وتعزيز التعاون الاستخباراتي، وكشف الروابط العابرة للحدود التي تربط التنظيم بجهات خارج أوروبا.
ووفق الخبير، فإن الإخوان يمثلون حالة فريدة من «التطرف القانوني»، حيث تستخدم اللغة الحقوقية والقانونية كغطاء لمشروع أيديولوجي إقصائي لا يعترف بالمساواة ولا بسيادة القانون المدني.
لا للخلط
وفي رده على معارضة اليسار الفرنسي للقرار، قال دلفال إن الخلط بين مكافحة الإسلام السياسي والوصم الديني هو مغالطة متعمدة أو ساذجة.
وأشار إلى أن «الدولة لا تحارب معتقدات الأفراد، بل تواجه تنظيمًا سياسيًا منظمًا له تاريخ موثق في تقويض الدول، وإشعال الصراعات، ورفض مبادئ التعددية».
ويضيف أن «الدفاع الحقيقي عن المسلمين الأوروبيين يمر عبر تحريرهم من هيمنة جماعات تدّعي احتكار تمثيلهم».
كما شدد على أن قرار البرلمان الفرنسي يبعث رسالة سيادية واضحة مفادها أن الجمهورية لن تتسامح مع أي مشروع ينازعها المرجعية أو يسعى إلى فرض نظام قيمي موازٍ.
«المنطقة الرمادية»
بحسب دلفال، فإن «هذه الخطوة قد تشكل، إذا ما تبعتها قرارات أوروبية متناسقة، بداية لتفكيك منظومة الإسلام السياسي في القارة، وحماية طويلة الأمد للأمن، والحريات، والتعايش داخل المجتمعات الأوروبية».
وأعاد تصويت البرلمان الفرنسي فتح ملف معقد يشمل شبكة الكيانات والجمعيات التي تعمل داخل أوروبا دون إعلان صريح عن ارتباطها التنظيمي بالإخوان، وهو ما يسميه خبراء بـ«المنطقة الرمادية» التي تستغلها الجماعة لمد جذورها واستقطاب المجتمعات التي تتواجد فيها.
من جهته، حذر الباحث السياسي الفرنسي أوليفييه روا من أن «الإخوان يعتمدون على التغلغل المؤسساتي والقانوني بدل المواجهة المباشرة، ما يجعلهم خطرًا طويل الأمد على النموذج الجمهوري والعلماني.
وأضاف روي، لـ«العين الإخبارية»، أن القرار يعكس تحولًا استراتيجيًا في فهم الدولة الفرنسية لتهديد الإسلام السياسي غير العنيف ظاهريًا.
كما لفت إلى أن تصويت اليسار ضد القرار "يكشف تواطؤًا أيديولوجيًا" تحت غطاء الدفاع عن الحريات.
حزام سياسي
وقال زعيم حزب الاسترداد الفرنسي، إريك زمور، في منشور علي حسابه الرسمي على منصة "إكس": "تهانينا للنواب الذين صوتوا لصالح إدراج الإخوان على قائمة الإرهاب. أما من عارضوا، فسيتعين عليهم يومًا ما تفسير موقفهم أمام الفرنسيين".
بدورها، قالت عضوة البرلمان الأوروبي الفرنسية ماريون ماريشال في منشور على "إكس"، إن القرار انتصار مهم وتقدم حقيقي في مواجهة تنظيم يسعى لفرض الشريعة داخل فرنسا وأوروبا"، داعية إلى نقل المعركة فورًا إلى البرلمان الأوروبي.
إعلاميا، احتفت محطة "بي.إف.إم" التلفزيونية الفرنسية بالقرار، معتبرة أنه جاء لحماية قيم الجمهورية.
وأشارت المحطة إلى أن جماعة الإخوان تأسست عام 1928 في مصر، وامتد نفوذها لعقود في العالم العربي، قبل أن تشهد تراجعًا كبيرًا في السنوات الأخيرة تحت ضغط دول عربية كبرى.
ولفتت المحطة الفرنسية إلى أن تقارير أمنية أوروبية تشير إلى أن الجماعة عوضت ذلك التراجع عبر تعزيز حضوره داخل أوروبا، مستفيدًة من الجمعيات والواجهات المدنية.
رسالة
من جهتها، رأت صحيفة "لوموند" الفرنسية أن قرار البرلمان يشكل رسالة سياسية مزدوجة، موضحة أنه على الصعيد الداخلي يعتبر تأكيدا على أولوية الأمن والعلمانية قبل الانتخابات البلدية.
وأشارت إلى أنه على الصعيد الأوروبي، فإن القرار دعوة صريحة للاتحاد الأوروبي لمغادرة منطقة التردد في التعامل مع الإخوان.
من جانبها، رأت محطة "فرانس إنفو" الفرنسية، أنه بينما يستمر الجدل، يبدو أن فرنسا دشنت مرحلة جديدة في مقاربتها للإسلام السياسي، مرحلة يعتبرها مؤيدو القرار ضرورية لحماية الجمهورية، ويرى فيها معارضوه سابقة سياسية خطيرة".
وخلال جلسة التصويت، دافع مقرر النص النائب إريك بوجيه عن القرار، مؤكدًا أن الإخوان "ليسوا مجرد جماعة دينية، بل حركة سياسية أيديولوجية تسعى إلى فرض الشريعة فوق قانون الجمهورية".
وأوضح أن تصنيف التنظيم إرهابيًا سيسمح بتجميد مصادر التمويل، وتعزيز تبادل المعلومات بين الدول، وتضييق الخناق على الشبكات العابرة للحدود".
من جهته، اعتبر رئيس كتلة الجمهوريين لوران فوكييه أن التصويت "يخرج فرنسا من حالة إنكار خطيرة"، داعيًا الحكومة إلى نقل المبادرة فورًا إلى المستوى الأوروبي.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTQxIA== جزيرة ام اند امز