ماذا جاء في أولى جلسات برلمان فرنسا حول تصنيف الإخوان إرهابية بأوروبا؟
جلسة تحت قبة الجمعية الوطنية الفرنسية، لم تكن مجرد نقاش إجرائي عابر، بل لحظة كاشفة لصراع عميق حول تعريف خطر الإخوان وحدود المواجهة.
فمع إدراج اقتراح أوروبي يدعو إلى تصنيف جماعة الإخوان المسلمين ومسؤوليها على القائمة الأوروبية للمنظمات الإرهابية، دخل البرلمان الفرنسي قلب معركة سياسية وأيديولوجية، تتجاوز الداخل الفرنسي إلى الفضاء الأوروبي برمته، حيث باتت الجماعة تُنظر إليها بوصفها فاعلًا عابرًا للحدود، لا مجرد تنظيم ديني أو جمعياتي.
الجلسة، التي استغل فيها اليمين الجمهوري «النيش البرلماني» لفرض هذا الملف على جدول الأعمال، كشفت حجم الانقسام الحاد داخل الطبقة السياسية الفرنسية، بين من يرى في الإخوان تهديدًا مباشرًا للقيم الجمهورية والأمن القومي، ومن يحذر من خلط الأمني بالسياسي.
فماذا دار في الجلسة؟
عقدت الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) الخميس، جلسة استثنائية ضمن «النيش البرلماني»، وهو يوم مخصص يتيح لأي حزب السيطرة على جدول الأعمال واختيار مشاريع القوانين التي يرغب في مناقشتها وإقرارها، لمجموعة اليمين الجمهوري، لمناقشة اقتراح قرار أوروبي يهدف إلى إدراج جماعة الإخوان المسلمين ومسؤوليها على القائمة الأوروبية للمنظمات الإرهابية.
وترأس الجلسة سيباستيان شينو، وشارك فيها عدد من النواب البارزين، بينهم إريك بوغيه، مقرر لجنة الشؤون الخارجية، و إلينور كاروا، وزيرة، إلى جانب نواب آخرين مثل جوستين غرويه، و فريدريك فاليتو، ومود بيتي، و لوران مازوراي، وغيرهم، بحسب الموقع الرسمي للبرلمان الفرنسي.
وشهدت المناقشات العامة مداخلات متبادلة بين النواب، مع تكرار رفع الملاحظات على النظام الداخلي للجلسة وتعليقها لفترات قصيرة، وهو ما يعكس حجم التوتر حول الموضوع.
وتمت مناقشة مواد القرار من المادة 13 وحتى 22، مع تقديم عدة تذكيرات بالنظام الداخلي من قبل عدد من النواب، بينهم ماتيلد بانو، وسيريل شاتيلان، و أورليان سانتول.
وقد أثيرت الجلسة بخطاب حاد من النائب لوران جاكوبيللي عن حزب التجمع الوطني من منطقة مورتزل، حيث وصف تأثير الإخوان المسلمين بأنه «سلبي للغاية»، مستهدفًا النواب من حزب اليسار المتشدد واصفًا إياهم بـ«الإخوان الإسلاميين» و«محامي حماس وإيران».
وقال جاكوبيللي، إن «الإخوان المسلمين يريدون إخفاء النساء عن المجتمع، فإذا كنتم تريدون دعم هذه الأفكار، صوتوا لحزب اليسار المتشدد! نحن سنقاوم»، في تصريحات أثارت جدلاً واسعًا وسخطًا لدى المعارضة، وتعكس إلى جانب أحداث أخرى شهدتها الجلسة، التوتر الكبير حول مشروع القرار والمناخ الحاد الذي يحيط بمكافحة تأثير الإخوان المسلمين في فرنسا وأوروبا.
ويأمل اليمين الجمهوري، من خلال هذه الجلسة البرلمانية، في تمرير قرار غير ملزم يدعو المفوضية الأوروبية للشروع في إجراءات رسمية لإدراج الإخوان المسلمين على القائمة الأوروبية للمنظمات الإرهابية.

تأتي هذه المبادرة في سياق التحذيرات المتكررة من تسلل الجماعة إلى بعض الجمعيات والمؤسسات في فرنسا، وما تشكّله من خطر على القيم الجمهورية والمجتمع المدني.
وقبل عرضه على الجلسة العامة الخميس، أقرت لجنة الشؤون الأوروبية في البرلمان الفرنسي هذا المقترح الذي يسعى، بحسب مقدميه، إلى الدفع نحو تطوير التشريعات الأوروبية في ما يخص مكافحة التطرف.
ويطالب المقترح، الحكومة، بالعمل على إدراج الإخوان على قائمة التنظيمات الإرهابية على المستوى الأوروبي.
ويستند مقترح حزب الجمهوريين، خصوصًا إلى تقرير صادر عن وزارة الداخلية الفرنسية في مايو/أيار الماضي حول جماعة الإخوان المسلمين، التي باتت تخضع لرقابة متزايدة.
ولا يحسم التصويت داخل اللجنة مصير النص نهائيًا، إذ سيدرج حتمًا على جدول أعمال الجمعية الوطنية (البرلمان) في 22 يناير/كانون الثاني المقبل، ضمن ما يُعرف بـ«الحيز البرلماني» المخصص لحزب الجمهوريين.
وقالت فلورنس بيرجو-بلاكليه، العالمة الفرنسية في الأنثروبولوجيا، والباحثة بـ«المركز الوطني للبحث العلمي»، وهي أيضا «رئيسة المركز الأوروبي للبحث والمعلومات حول الإخوان»، إن الجماعة تسعى اليوم، بعد خسارتها لعدد من معاقلها في العالم العربي وتراجع نفوذها فيه، إلى ترسيخ وجودها في القارة الأوروبية، معتبرة أن فرنسا أصبحت هدفًا رئيسيًا لهذه الاستراتيجية.
الحظر.. حل جذري
وشددت الخبيرة على أن الحل الجذري يكمن في حظر الجماعة نهائيًا من الأراضي الفرنسية والأوروبية، محذرة من أن التغاضي عن هذا التوغل يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي والتماسك الاجتماعي.
وسبق أن قالت بيرجو-بلاكليه، في مقابلة مع إذاعة "يوروب1" الفرنسية، إن التقرير الأخير الصادر عن أجهزة الاستخبارات الفرنسية هو «الأول من نوعه بدقته»، إذ يقدم صورة مقلقة عن توسع الإخوان في النسيج الاجتماعي الفرنسي بشكل منهجي ومنظم على مدى عقود.
والتقرير، المؤلف من 73 صفحة وأعده مسؤولون حكوميون رفيعو المستوى بطلب من وزير الداخلية، يكشف عن وجود شبكات مرتبطة بالتنظيم تتداخل مع مؤسسات تعليمية وأكاديمية وحقوقية، مما يسهل تطبيع خطاب الجماعة بين الأجيال الشابة.
وشددت بيرجو-بلاكليه على أن الإخوان لا يعتمدون فقط على العنف المباشر، بل ينتهجون إستراتيجية تبشيرية ناعمة تقوم على بناء «مجتمع موازٍ» داخل فرنسا، عبر الجمعيات والواجهات المدنية والثقافية.
ولذلك، ترى أن الاكتفاء بالإجراءات القانونية غير كافٍ، بل يجب تبني استراتيجية شاملة تشمل التوعية المجتمعية، ومراقبة أنشطة الجمعيات، وحماية الفضاء الأكاديمي والإعلامي من الاختراق الأيديولوجي.
مضمون وأبعاد
بحسب الباحثة الفرنسية، يرسم التقرير الحكومي «صورة مثيرة للقلق» عن سعي الإخوان منذ ما يقارب نصف قرن إلى تأسيس حركة منظمة تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الثقافية للمجتمع الفرنسي تدريجيًا.
كما لفتت إلى أن الجماعة استغلت برامج الاتحاد الأوروبي والمجلس الأوروبي لتغطية تحركاتها، فضلًا عن تفاعلها مع بعض تيارات اليسار المتطرف داخل الجامعات، ما سمح لها بتكوين «نفوذ ثقافي» وتأثير رمزي في الأوساط الأكاديمية.
واعتبرت بيرجو-بلاكليه أن مواجهة هذا النفوذ تستوجب فهمًا عميقًا للجذور والأساليب التي تعتمدها الجماعة، وليس فقط الاكتفاء بردود فعل قانونية أو سياسية.
وختمت بالتأكيد على أن الحظر الشامل للتنظيم في أوروبا بات ضرورة لحماية المجتمعات من مشروع طويل الأمد يسعى إلى زرع انقسام مجتمعي وثقافي داخلي.
قصور مؤسسي
وفي هذا السياق، قال الباحث السياسي الفرنسي المتخصص في التنظيمات المتطرفة والإسلام السياسي في فرنسا، ألكسندر دلفال لـ"العين الاخبارية" إن "تساهل الحكومات الفرنسية المتعاقبة تجاه جماعة الإخوان في فرنسا يعود إلى مزيج من الاعتبارات السياسية والقصور المؤسسي في فهم طبيعة الحركة".
وأوضح أن السلطات، في كثير من الأحيان، تعاملت مع الإخوان بوصفهم مجرد فاعل ديني أو جمعية خيرية، متجاهلةً البعد السياسي والأيديولوجي العابر للحدود الذي يميز هذه الجماعة.
وأضاف أن بعض الحكومات رأت في الإخوان شركاء محتملين في إدارة شؤون الجاليات المسلمة، خاصة في مجالات مثل التعليم الديني والحوار المجتمعي، الأمر الذي أتاح لهم التغلغل في مؤسسات محلية وجمعيات مدنية.
وأكد أن "هذه المقاربة، وإن بدت براغماتية في ظاهرها، فقد فتحت المجال أمام بناء شبكات نفوذ يصعب احتواؤها لاحقًا".
وأوضح أن جزءًا من هذا التساهل ينبع أيضًا من الحرج السياسي في التعامل مع تنظيمات تحمل خطابًا علنيًا معتدلًا، رغم أن مخرجاته العملية قد تفرز توجهات متشددة على المدى البعيد.
وأضاف أن ضعف التنسيق بين الأجهزة الأمنية والثقافية والتعليمية في فرنسا جعل المواجهة الفكرية مع الإخوان أقل فعالية، مما سمح للجماعة بتعزيز حضورها داخل فضاءات المجتمع المدني.
وأكد أن تصحيح المسار يتطلب الاعتراف بأن الإخوان ليسوا مجرد مكوّن ديني تقليدي، بل حركة سياسية ذات مشروع مجتمعي شامل، وأن التعامل معهم يجب أن يجمع بين الحزم القانوني والفهم العميق لأدواتهم الخطابية والتنظيمية.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuNTYg جزيرة ام اند امز