«داعش» والسجون السورية.. ناقوس الخطر يدق في العراق
تحذيرات عراقية من عودة متنامية لخطر «داعش»، مما يشكّل تهديدًا مباشرًا للأمن العراقي والإقليمي، وخاصة مع سعي التنظيم الإرهابي لـ«إيجاد موطئ قدم جديد لشن هجمات».
هذا ما أكده رئيس جهاز المخابرات العراقية، حامد الشاطري، في تصريحات لصحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، مشيرًا إلى ما وصفه بـ«النمو الكبير والمقلق» في أعداد مقاتلي التنظيم داخل الأراضي السورية، في تطور قال إنه يشكّل تهديدًا مباشرًا للأمن العراقي والإقليمي.
وأوضح الشطري، أن أجهزة الاستخبارات العراقية رصدت خلال العام الماضي ارتفاع عدد مقاتلي داعش في سوريا من نحو ألفي مقاتل إلى قرابة عشرة آلاف، وهو رقم لم يتسنَّ التحقق منه من مصادر مستقلة، في حين قدّر أحدث تقرير لمجلس الأمن الدولي عدد عناصر التنظيم في سوريا والعراق معًا بنحو ثلاثة آلاف حتى أغسطس/آب الماضي.
وأشار إلى التطورات الأمنية الأخيرة في شمال شرق سوريا والتي زادت من حدة المخاوف، لا سيما بعد تقدم القوات الحكومية السورية وسيطرتها على مناطق كانت خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد).
هذه العمليات ترافقت مع حالة من الفوضى داخل السجون والمخيمات التي تضم آلافًا من مقاتلي التنظيم وأسرهم، مما أتاح فرار أعداد من المسلحين إلى المناطق الصحراوية، رغم إعادة اعتقال بعضهم لاحقًا.
وردًا على ذلك، سارعت بغداد إلى نشر آلاف الجنود وعناصر الفصائل المسلحة لتعزيز الحدود الممتدة مع سوريا.
فوضى السجون… وبؤرة الخطر المؤجل
في شمال شرق سوريا، لا تزال آلاف النساء والأطفال المرتبطين بتنظيم داعش محتجزين منذ سنوات، مما يزيد من حالة عدم اليقين.
ففي مخيم «روج»، أحد مراكز الاحتجاز الرئيسية، يعيش أكثر من ألفي امرأة وطفل، معظمهم من عائلات مقاتلين أجانب في التنظيم، في ظروف قاسية وعزلة طويلة، وسط غياب أي أفق واضح لإعادة توطينهم أو محاكمتهم.
داخل الخيام المظلمة، تبرز قصص لنساء فقدن جنسياتهن ويصفن أنفسهن بأنهن «بلا دولة وبلا مستقبل».
وتؤكد بعضهن تخليها عن أيديولوجية التنظيم منذ سنوات، فيما لا تزال أخريات متمسكات بعقيدته، بحسب إدارة المخيم. ومع تغير موازين القوى في المنطقة، عبّرت مسؤولات في المخيم عن خشية حقيقية من أن ترى هؤلاء النسوة في الفوضى الحالية فرصة لعودة التنظيم.
وتقول حكيمات إبراهيم، مديرة مخيم روج، إن بعض النساء المواليات لداعش احتفلن مع تقدم القوات الحكومية السورية، اعتقادًا منهن أن الإفراج بات قريبًا، مضيفة: «لديهن الآن أمل في عودة داعش».
انشقاقات وتجنيد جديد
وبحسب الشطري، فإن جزءًا من الزيادة في أعداد مقاتلي التنظيم يعود إلى انشقاقات من فصائل مسلحة أخرى، بينها جماعات كانت مرتبطة سابقًا بجبهة النصرة أو بتنظيم القاعدة، إضافة إلى تجنيد عناصر من العشائر العربية في مناطق سنّية كانت خاضعة لسيطرة القوات الكردية.
وأشار إلى توترات بين المقاتلين الأجانب والقوات الحكومية السورية، خاصة بعد تنفيذ حملات اعتقال واسعة.
ورغم هذا التصعيد، يرى بعض الخبراء أن قدرات داعش العملياتية لم تشهد تحولًا نوعيًا كبيرًا حتى الآن. ويقول عروة عجوب، الباحث المتخصص في شؤون التنظيم، إن داعش «استغل بلا شك الفراغ والانهيار الأمني في سوريا»، لكنه لا يزال يعتمد في الغالب على هجمات محدودة من نوع «الكرّ والفرّ».
العراق بعد داعش… قلق بلا ذعر
في العراق، حيث لا تزال ذاكرة سيطرة داعش على ثلث البلاد حاضرة بقوة، تؤكد السلطات أن الوضع الأمني مختلف جذريًا عمّا كان عليه في عام 2014. فقد عززت الحكومة دفاعاتها على طول الحدود الصحراوية مع سوريا، عبر حواجز خرسانية، وخنادق، وأسلاك شائكة، ومئات الكاميرات الحرارية، إلى جانب دوريات جوية بالطائرات المسيّرة.
ويقول الفريق الركن عبد الوهاب السعيدي، القائد السابق لقوات مكافحة الإرهاب العراقية، إن التنظيم اليوم «مجرد ظل لما كان عليه»، بعد تدمير بنيته القيادية وتجفيف مصادر تمويله.
وبرغم ذلك، يقرّ مسؤولون عراقيون بوجود قلق حقيقي من محاولات التنظيم إعادة تنظيم صفوفه، خاصة في ظل الانسحاب التدريجي للقوات الأمريكية.
انسحاب أمريكي وفراغ محتمل
يتزامن هذا المشهد مع مغادرة آخر القوات الأمريكية قاعدة عين الأسد في محافظة الأنبار، وانحسار الوجود الأمريكي في العراق داخل قاعدة واحدة في أربيل، على أن ينتهي بالكامل بنهاية العام.
ورغم تأكيد استمرار تبادل المعلومات الاستخباراتية بين بغداد وواشنطن، يخشى مراقبون من تأثير هذا الانسحاب على العمليات المشتركة في المناطق الوعرة التي يُعتقد أن مئات من مقاتلي داعش لا يزالون ينشطون فيها.
وفي سياق متصل، وافق العراق مؤخرًا على استقبال نحو سبعة آلاف مقاتل من داعش كانوا محتجزين في سوريا، لمحاكمتهم وفق قوانين مكافحة الإرهاب العراقية، في خطوة تهدف إلى تقليل مخاطر الانفلات الأمني في المخيمات والسجون السورية.
وبين التحذيرات الاستخباراتية، وفوضى السجون، والانسحابات العسكرية، تبدو المنطقة أمام مرحلة شديدة الهشاشة. ورغم الثقة النسبية بقدرة العراق على منع عودة سيناريو 2014، فإن التطورات في سوريا تظل عاملًا ضاغطًا، يهدد بإعادة إنتاج خطر لم يُطوَ بعد، بل تغيّر شكله وانتظر لحظة مناسبة للعودة.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTQxIA== جزيرة ام اند امز