جنرال أمريكي متقاعد يقيم «مغامرة» التدخل البري في إيران
تتجه الأنظار داخل دوائر صنع القرار في واشنطن إلى سيناريو يُعد من أكثر الخيارات حساسية وخطورة، يتمثل في نشر قوات برية داخل إيران، سواء لاستهداف منشآت نووية أو للسيطرة على مواقع استراتيجية مثل جزيرة خارك.
وفي هذا السياق، أجرى موقع تايم وور زون، مقابلة مع الجنرال المتقاعد جوزيف فوتيل، القائد السابق للقيادة المركزية الأمريكية، قدم فيها قراءة تفصيلية للموقف الحالي، أشار فيها إلى أن هذا الخيار رغم قابليته للتنفيذ عسكريًا، لكنه ينطوي على تعقيدات عملياتية ولوجستية قد تحوّله إلى عبء طويل الأمد.
جدوى محدودة ومخاطر مرتفعة
فيما يتعلق بجزيرة خارك، التي تُعد شريانًا حيويًا لصادرات النفط الإيرانية، يرى فوتيل أن السيطرة عليها قد تحمل دلالات رمزية أو سياسية أكثر من كونها مكسبًا عسكريًا حاسمًا.
فموقع الجزيرة القريب من الساحل الإيراني يجعل أي قوة متمركزة هناك تحت تهديد مباشر من منظومات الأسلحة الإيرانية، ما يفرض بيئة عالية الخطورة دون تحقيق تفوق تكتيكي واضح.
ويشير إلى أن تأمين الجزيرة سيتطلب نشر قوة بحجم كتيبة، تتراوح بين 800 و1000 جندي، مدعومة بغطاء لوجستي كامل يشمل الإمداد والإخلاء الطبي وحماية خطوط الدعم، وهو ما يوسع نطاق العملية ويزيد من كلفتها.
معركة اليورانيوم: مهمة تتجاوز قدرات النخبة
السيناريو الأكثر تعقيدًا يتمثل في محاولة الاستيلاء على مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، الذي يُقدّر بنحو 450 كيلوغرامًا بنسبة تخصيب تصل إلى 60 في المائة. وهنا يلفت فوتيل إلى أن هذه المهمة لا يمكن تنفيذها عبر وحدات صغيرة من القوات الخاصة، كما قد يُتصور، بل تتطلب عملية واسعة النطاق قد تصل إلى مستوى لواء عسكري كامل، يضم ما بين 1000 إلى 4000 جندي.
وتكمن الصعوبة في أن المواقع المحتملة، مثل نطنز أو أصفهان، تقع في عمق الأراضي الإيرانية، على مسافات بعيدة داخل جغرافيا واسعة ومعقدة. وهذا يستلزم نشر قوات لتأمين محيط العمليات، إلى جانب توفير غطاء جوي دائم عبر دوريات قتالية، ومنظومات مراقبة واستطلاع متقدمة، فضلًا عن وسائل نقل جوية وبرية لإدخال القوات وإخراجها.
كما تبرز تحديات إضافية تتعلق بكيفية التعامل مع المواد النووية نفسها، من حيث تأمينها وتغليفها ونقلها بأمان، ما يجعل العملية طويلة ومعقدة، ولا يمكن إنجازها في إطار زمني قصير.
اللوجستيات: التحدي الأكبر
يشدد فوتيل على أن مجرد نشر قوات على الأرض يعني الدخول في سلسلة من الالتزامات اللوجستية المعقدة، تبدأ بتأمين الإمدادات المستمرة، ولا تنتهي عند حماية خطوط النقل والإخلاء الطبي.

فكل عنصر قتالي يحتاج إلى شبكة دعم كاملة، وهذه الشبكة بدورها تصبح هدفًا محتملاً، ما يضاعف من حجم القوات المطلوبة ويزيد من تعقيد العمليات. ويؤكد أن هذه الاعتبارات غالبًا ما يتم التقليل من شأنها، رغم أنها تشكل العامل الحاسم في نجاح أو فشل أي تدخل بري.
ضغط متزايد على الجاهزية العسكرية
على مستوى أوسع، يثير هذا السيناريو مخاوف تتعلق بقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على جاهزيتها العسكرية في ظل عمليات ممتدة. فالاستخدام المكثف لمنظومات الدفاع الجوي مثل “باتريوت” و”ثاد” يضع ضغطًا واضحًا على المخزونات، رغم تأكيدات بأن التخطيط العسكري أخذ ذلك في الحسبان.
إلا أن استمرار العمليات قد يؤثر على قدرة واشنطن على دعم حلفائها في مناطق أخرى، مثل أوروبا أو منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
كما أن إعادة نشر حاملات الطائرات والسفن الحربية من مهامها الأصلية يؤدي إلى تأجيل برامج الصيانة والتدريب، ما قد ينعكس سلبًا على الجاهزية طويلة المدى.
وينطبق الأمر ذاته على القوات الجوية، التي تواجه ضغطًا متزايدًا نتيجة الاستخدام المكثف لطائرات القتال والنقل والتزود بالوقود.
إيران: استراتيجية الاستنزاف المستمر
في المقابل، يرى فوتيل أن إيران، رغم تعرض بنيتها الصاروخية لأضرار كبيرة، لا تزال تحتفظ بقدرات كافية لإطالة أمد الصراع. ويشير إلى أن طهران تعتمد على استراتيجية تقوم على تنفيذ هجمات محدودة ومتكررة بدلًا من ضربات كثيفة، بهدف إبقاء الضغط قائمًا واستنزاف الموارد الأمريكية على المدى الطويل.
كما أن الطائرات المسيّرة تمثل عنصرًا مرنًا في هذه الاستراتيجية، نظرًا لسهولة إنتاجها وصعوبة التصدي لها بشكل كامل.

لا تقتصر تداعيات هذا السيناريو على الإطار الإقليمي، إذ تحظى العمليات الجارية بمتابعة دقيقة من قوى دولية كبرى، على رأسها الصين، التي تراقب عن كثب التكتيكات العسكرية الأمريكية، وأساليب التنسيق العملياتي، واستخدام التكنولوجيا الحديثة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي. كما تتابع بكين تأثير هذه العمليات على توزيع الموارد العسكرية الأمريكية، خاصة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
بدائل أقل كلفة
في ضوء هذه التحديات، يطرح فوتيل خيارًا بديلًا يتمثل في تأجيل أي تدخل مباشر إلى ما بعد وقف إطلاق النار، والعمل بالتنسيق مع جهات دولية متخصصة مثل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما يتيح تنفيذ عمليات أكثر دقة في بيئة أقل خطورة. ويرى أن هذا الخيار قد يكون أكثر واقعية مقارنة بمحاولة تنفيذ عمليات معقدة في ذروة المواجهة العسكرية.
