«عميل فرنسا» بقبضة مالي.. هل يوقظ «الدبلوماسي النائم» مارد التوتر؟

توقيف موظف بالسفارة الفرنسية في باماكو بشبهة تورطه في «التآمر» قد يفتح فصلا جديدا من التوتر في العلاقات الهشة بالفعل بين البلدين.
وفي خطوة هزت مجددا أركان العلاقات بين مالي وفرنسا، أعلن النظام العسكري بباماكو، في 14 أغسطس /آب الجاري، عن توقيف موظف بسفارة فرنسا، بتهمة "التآمر".
- أحكام وجبايات بالقوة.. بلدة استراتيجية في مالي بقبضة «القاعدة»
- اتهامات بالتجسس وزعزعة الاستقرار.. تصاعد التوتر بين مالي وفرنسا
ودفعت الحادثة بفرنسا إلى دائرة الاستنكار والاحتجاج، فيما يرى مراقبون أن باريس قد تستثمرها للعودة للمشهد المالي.
لكن إجمالا تظل التساؤلات كثيرة حول هذا الموضوع، فهل يمكن توظيف هذا التوقيف كذريعة تقفز من ورائها باريس لاستعادة نفوذها بالبلد الأفريقي؟
أم أنها لعبة سياسية داخلية في سياق لا يخلو من التحولات الجيوسياسية؟.
ليس شخصا عاديا
الحكاية بدأت حين أعلن جهاز الإذاعة والتلفزيون الحكومي في مالي عن توقيف مواطن فرنسي في شوارع العاصمة باماكو يوم الخميس 14 أغسطس/ آب الجاري.
ولا يزال الرجل رهن التوقيف، مما أثار تساؤلات حول هويته ووضعه القانوني داخل الأزمة الدبلوماسية.
وقالت مجلة "لوبوان" الفرنسية إن المواطن الفرنسي (يان ف.) ليس شخصًا عاديًا، بل هو ضابط طيران سابق في سلاح الجو الفرنسي، بخبرة تقارب الثلاثين عامًا، ويشغل منذ السنة الماضية منصب السكرتير الثاني في سفارة فرنسا بمالي.
وإلى جانب مهامه الدبلوماسية، تُنسب إليه عضويته المفترضة في "مديرية الأمن الخارجي الفرنسية" (DGSE)، أي جهاز الاستخبارات الرئيسي في البلاد، بحسب مجلة "جون أفريك".
من جانبها، اعتبرت الخارجية الفرنسية هذه الاتهامات "بلا أساس"، وشددت على أن التوقيف يُشكل انتهاكًا للاتفاقيات الدولية المتعلقة بالحصانة الدبلوماسية، داعيةً السلطات المالية إلى الإفراج الفوري عن موظف السفارة.
«مؤامرة»
في المقابل، اعتبرت باماكو أن هذا التوقيف يشكل جزءًا من "مؤامرة" واسعة تهدد استقرار الدولة، بدأت في الأول من الشهر الجاري، بحسب تصريحات وزير الأمن المالي الجنرال داوود علي محمدين.
كما قالت السلطات في مالي إن العميل الفرنسي يان ف. كان يدعم شخصيات مدنية وعسكرية في التخطيط ضد الدولة وأن التحقيقات جارية بشفافية تامة.
وأوقفت السلطات أيضًا اثنين من كبار الجنرالات المحليين، وهما عبّاس دمبلي ونِمَا سَاغارَا، فيما اعتُبر أن القضية تعكس صراعات داخلية داخل اللجنة العسكرية الحاكمة بقيادة آسيمي غويتا.
كما يُنظر إلى جملة التوقيفات على أنها حلقة في سلسلة إجراءات العسكر لمنع النزعات المعادية للسلطة المركزية، في ظل توتر داخلي متنامٍ عقب المظاهرة المطالبة بالديمقراطية في مايو/ أيار الماضي.
وهذه الخطوة ليست الأولى من نوعها؛ ففي 2023، جرت اعتقالات مماثلة لأشخاص رابطوا بالسفارة الفرنسية في بوركينا فاسو، قبل أن يُفرج عنهم تحت ضغط دبلوماسي.
وتزامن توقيف العميل الفرنسي مع تمرير قانون يسمح لغويتا بالاستمرار في السلطة حتى عام 2030، ما أثار جدلاً في الداخل المالي حول ما إذا كان الحادث مدفوعًا بأهداف أمنية مشروعة أم أنه يُوظّف لتثبيت السيطرة السياسية داخليا.
«ورقة سياسية»؟
يرى الدكتور مادي إبراهيم كانتِيه، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القانون والعلوم السياسية في باماكو، أن "اعتقال العميل الفرنسي يعد مناورة محسوبة من النظام الحالي في باماكو لتوطيد قبضته الداخلية،وليس مقدمة لعودة النفوذ الفرنسي إلى مالي».
وفي حديث لـ"العين الإخبارية"، يوضح الخبير المالي المتخصص في العلاقات الدولية والشرق الأوسط، أن «فرنسا منزعجة لكن لا مصلحة لديها حالياً في العودة بقوة إلى مالي، خاصة في ظل تحولها الاستراتيجي نحو روابط أخرى، أبرزها مع روسيا».
وأضاف أن "النظام يستخدم القضية لكسب مزيد من الدعم الشعبي والتبرير لتعزيز سيطرته، لا لإعادة تفعيل نفوذ باريس".
وبحسب كانتيه، فإن "النظام في مالي يحول الحدث إلى ورقة سياسية داخلية هدفها ترسيخ موقعه وتعزيز الهوية الوطنية القائمة على استبعاد النفوذ الغربي، وليس مدخلاً لاستيعاد العلاقات مع فرنسا".
قواعد اللعبة تتغير
في المقابل، يقول برونو شاربو مدير مركز "الحوكمة والأمن والأزمات" بجامعة كيبيك في مونتريال، إن "اعتقال موظف السفارة الفرنسية في باماكو يُظهر أن فرنسا لم تعد قادرة على فرض قواعد اللعبة كما في السابق".
ويضيف الأستاذ الفرنسي المتخصص في قضايا الساحل والصراعات الأفريقية لـ"العين الإخبارية"، أن السلطات في باماكو "تستثمر في خطاب السيادة ومناهضة التدخل الأجنبي، لتبرير استمرارها وإضعاف خصومها الداخليين".
ويشير الباحث السياسي الفرنسي إلى أن "باريس، من جهتها، تعيش مأزقًا: فهي لا تستطيع التخلي نهائيًا عن الساحل (الأفريقي) نظرًا لرهاناته الأمنية والجيوسياسية، لكنها أيضًا غير قادرة على العودة بالصيغة القديمة للاستعمار أو التدخل العسكري المباشر".
وخلص إلى أنه "لذلك، فإن "ما حدث في باماكو يرمز إلى مرحلة جديدة من إعادة التوازن حيث فرنسا تُدفَع إلى الهامش لصالح شركاء جدد مثل روسيا".