فرنسا تحت صدمة «ديرانك».. «حسابات الأيديولوجيا» تعمق الانقسام
مقتل الناشط الفرنسي اليميني كوينتان ديرانك يفتح ملف العنف السياسي، ويسلط الضوء على «راديكالية متصاعدة» بأوساط شبابية مناهضة للفاشية.
وتحوّلت القضية، التي هزّت مدينة ليون جنوب شرقي فرنسا في 12 فبراير/شباط الجاري، وراح ضحيتها شاب يبلغ من العمر 23 عامًا، من شجار في الشارع إلى ملف قضائي ثقيل، مع توجيه اتهامات بالقتل أو التواطؤ فيه إلى سبعة شبان.
مشاهد صادمة وتحقيقات موسعة
وقالت صحيفة «لوموند» الفرنسية إن الواقعة وثّقتها مقاطع مصوّرة التقطها سكان الحي بهواتفهم المحمولة، وأظهرت مجموعة من الأشخاص الملثمين يعتدون بعنف على ثلاثة شبان قرب أحد المباني السكنية وعلى مقربة من معهد الدراسات السياسية في ليون.
وأشارت «لوموند» إلى أن الضربات المتتالية والركلات، ولا سيما ضربة وُجهت إلى الرأس، سبقت فرار المعتدين من المكان. وبعد يومين، فارق ديرانك الحياة متأثرًا بإصاباته.
ووفق المعطيات الأولية، كان الضحية قد حضر فعالية نظّمتها النائبة الأوروبية عن حزب «فرنسا الأبية» (يسار راديكالي) ريما حسن داخل معهد الدراسات السياسية، قبل أن تندلع مواجهات في محيط المكان بين ناشطين من اليمين الراديكالي وآخرين من التيار المناهض للفاشية.
ومع تفرّق المجموعتين، وجد ديرانك نفسه معزولًا قبل أن يتعرض للاعتداء.
ولا تزال التحقيقات، التي تشرف عليها الشرطة القضائية في ليون بدعم من وحدة مكافحة الإرهاب، جارية لتحديد جميع المتورطين.
وأكدت السلطات توقيف عدد من المشتبه بهم، بينهم عناصر يُعتقد أنهم ينتمون أو سبق لهم الانخراط في تنظيم «الحرس الشاب» الذي أسسه الناشط اليساري رافاييل أرنو.
استقطاب أيديولوجي حاد
ووفقًا للصحيفة الفرنسية، فإن القضية تكشف عن مناخ استقطاب متصاعد بين تيارات أقصى اليمين وأقصى اليسار في فرنسا، خاصة في المدن الجامعية الكبرى.
وأوضحت أن مدينة ليون تُعد منذ سنوات إحدى بؤر المواجهة بين مجموعات هوية أقصى اليمين وحركات مناهضة الفاشية، في سياق أوسع من التوترات المرتبطة بقضايا الهجرة والعلمانية والهوية الوطنية.
ويرى مراقبون أن بعض المجموعات الشبابية تبنّت خطابًا أكثر صدامية خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة بشعور متزايد بأن المواجهة «الميدانية» باتت جزءًا من العمل السياسي.
وفي المقابل، يحذّر خبراء أمنيون من أن انتقال الصراع من السجال الفكري إلى العنف الجسدي يمثل تطورًا خطيرًا يهدد السلم الأهلي.
أبعاد سياسية وأمنية
سياسيًا، أثار الحادث ردود فعل واسعة؛ إذ اعتبر ممثلو أقصى اليمين أن ما جرى «جريمة ذات دوافع أيديولوجية»، مطالبين بتشديد القبضة الأمنية على المجموعات المناهضة للفاشية.
في المقابل، أدانت أطراف من اليسار العنف، لكنها حذّرت من استغلال الحادث لتجريم الحركات الاحتجاجية برمّتها.
وفي غضون ذلك، تعكس إحالة الملف إلى جهات مختصة بمكافحة الإرهاب حساسية القضية، حتى وإن لم تُصنَّف رسميًا كعمل إرهابي حتى الآن.
ويشير هذا التطور إلى أن السلطات تتعامل مع الحادث باعتباره جزءًا من ظاهرة أوسع تتعلق بالتطرف السياسي العنيف.
جيل بمواجهة الدولة؟
أبرز ما تكشفه هذه القضية هو التحول في طبيعة الالتزام السياسي لدى شريحة من الشباب، وفق الصحيفة.
فبينما كان النشاط المناهض للفاشية تقليديًا يتمحور حول التظاهر والحملات الإعلامية، تظهر التحقيقات أن بعض الأفراد انخرطوا في أشكال مواجهة مباشرة وعنيفة.
وأشارت «لوموند» إلى أن هذا المسار يعكس، بحسب محللين، شعورًا بالاحتقان والإحباط من المؤسسات، لكنه في الوقت ذاته يضع هؤلاء الشباب في مواجهة مباشرة مع القانون.
وفي ليون، لا يزال التوتر ملموسًا، حيث تنتشر ملصقات تكريم ديرانك في بعض الأحياء، فيما تكثّف السلطات وجودها الأمني تحسبًا لأي مواجهات جديدة.
وبينما ينتظر الرأي العام نتائج التحقيقات، فإن هذه الحادثة لا تُعد حالة معزولة، بل تعد مؤشرًا على مرحلة جديدة من الراديكالية السياسية بين جيل شاب يشعر بأن الصدام بات لغة السياسة.
رجات ارتدادية
وقال مصدر حكومي شارك في اجتماع نظمته الرئاسة الفرنسية اليوم الثلاثاء إن باريس تعتزم حل ثلاث جماعات من اليمين المتطرف وواحدة من اليسار المتطرف، دون أن يذكر أسماء الجماعات.
يأتي هذا القرار في أعقاب مقتل الناشط اليميني المتطرف كونتان دورانك (23 عاما) في شجار مع أشخاص يشتبه بأنهم نشطاء من اليسار المتطرف في ليون يوم 14 فبراير/شباط.
وأثار مقتله صدمة في البلاد وكشف عن انقسامات سياسية عميقة، وأطلق على الواقعة «لحظة تشارلي كيرك» في فرنسا، في إشارة إلى الناشط المحافظ الأمريكي الذي قتل بالرصاص العام الماضي.
ومنذ عام 2016، حلت الحكومة الفرنسية 19 جماعة من أقصى اليمين و5 من جماعات أقصى اليسار.
وذكر المصدر أن السلطات حددت أكثر من 5000 شخص ينتمون إلى جماعات أقصى اليمين واليسار في فرنسا.