إرهابيون خارج السجون.. «سهام مرتدة» في قلب فرنسا
تهديد قوي تعيشه فرنسا مع خروج عدد كبير من المدانين بقضايا إرهاب من السجون، ظهر جليا في هجوم بسكين في قلب باريس.
وسلط الهجوم بالسلاح الأبيض الذي نفذه إبراهيم باحرير يوم الجمعة، قرب قوس النصر في باريس، وأدى إلى مقتله برصاص قوات الأمن بعد محاولته الاعتداء على عناصر من الدرك، الضوء مجددًا على صعوبة مراقبة السجناء المتطرفين بعد انتهاء فترة محكوميتهم.
وكان باحرير قد أُفرج عنه في 24 ديسمبر/كانون الأول الماضي بعد أن أمضى أكثر من 13 عامًا خلف القضبان، بداية في بلجيكا ثم في فرنسا منذ عام 2015، حيث نُقل بناءً على طلبه.
وفي عام 2013، حكمت عليه العدالة البلجيكية بالسجن 17 عامًا بتهمة محاولة القتل ذات الطابع الإرهابي، بعدما طعن شرطيين في بروكسل عام 2012.
وبين الهجومين مرت ثلاثة عشر عاما، لكن الوقائع تشير إلى أن دوافعه لم تتغير، إذ كرر الفعل ذاته، في مشهد يعكس استمرار النزعة العنيفة نفسها.
واعتبر خبراء متخصصون في التنظيمات المتطرفة، أن الهجوم الذي شهدته باريس مؤخرًا "يعيد إلى الواجهة إشكالية شديدة التعقيد تتعلق بمتابعة المدانين في قضايا إرهاب مرتبطة بالإسلام السياسي بعد خروجهم من السجن، في ظل تزايد أعداد المفرج عنهم المحكومين بأحكام ثقيلة، وما يرافق ذلك من تحديات أمنية وقضائية".
تهديدات
إذ قال الباحث السياسي الفرنسي ألكسندر دلفال، المتخصص في التنظيمات المتطرفة لـ"العين الإخبارية"، إن الإشكالية "لا تكمن فقط في عدد المفرج عنهم، بل في طبيعة البنية الفكرية التي يحملها بعضهم".
وأكد دلفال مؤلف كتاب "الإسلام السياسي والولايات المتحدة" أن السجن، رغم كونه أداة عقابية، "لا يشكل بالضرورة فضاءً ناجعًا لإعادة التأهيل الفكري، خاصة إذا لم تُرفق العقوبة ببرامج تفكيك التطرف العقائدي".
وأشار دلفال إلى أن بعض السجناء المدانين في قضايا مرتبطة بالإسلام السياسي "يخرجون وهم محتفظون بقناعاتهم الأيديولوجية، وإن كانوا أكثر حذرًا في التعبير عنها".
كما اعتبر أن التحدي الأكبر يتمثل في التمييز بين من تراجع فعليًا عن العنف ومن اكتفى بإخفاء توجهاته.
وحذر من أن موجة الإفراج عن أصحاب الأحكام الثقيلة "ستضع الأجهزة الأمنية أمام اختبار صعب، نظرًا لارتفاع درجة الخطورة لدى هذه الفئة مقارنة بالمدانين السابقين".
وشدد دلفال على "ضرورة تعزيز آليات المراقبة القضائية، وتطوير برامج إعادة الإدماج القائمة على متابعة نفسية واجتماعية عميقة، إضافة إلى تحسين التنسيق بين الأجهزة الأمنية والقضائية لضمان رصد أي مؤشرات مبكرة على العودة إلى التطرف العنيف".
بيانات صادمة
ووفق بيانات غير مسبوقة صادرة عن النيابة الوطنية لمكافحة الإرهاب، خرج 339 سجينًا مدانًا في قضايا إرهاب مرتبط بالإسلام السياسي من السجون منذ عام 2021، وكان باحرير من بين 46 مفرجًا عنهم عام 2025.
ومن المتوقع الإفراج عن 35 شخصًا آخرين عام 2026.
ورغم أن الأرقام شهدت تراجعًا خلال السنوات الثلاث الماضية، فإنها مرشحة للارتفاع مجددًا مع اقتراب موعد الإفراج عن مدانين بأحكام أطول وأخطر.
وتشير المعطيات إلى أن طبيعة الملفات أصبحت أكثر حساسية؛ ففي عام 2021 كان 21% من المفرج عنهم قد تورطوا في أعمال عنف مباشرة أو مشاريع اعتداءات، في حين ارتفعت النسبة إلى 33% عام 2025، ويتوقع أن تصل إلى 52% عام 2026.
هذا يعني أن الذين يغادرون السجن حاليًا هم من المحكوم عليهم في أخطر القضايا، ما يجعل تحدي متابعتهم أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.
تعزيز الرقابة والرصد
من جهته، أكد جون سيلفستر مونجريني، الباحث المتخصص في قضايا الإرهاب والتنظيمات المتطرفة في معهد "توماس مور" في باريس لـ"العين الإخبارية"، أن ظاهرة العودة إلى العنف "ليست آلية أو حتمية، لكنها تظل خطرًا قائمًا في بعض الحالات عالية الخطورة".
ورأى مونجريني أن فرنسا، مثل باقي الدول الأوروبية، تواجه معضلة قانونية وأمنية تتمثل في الموازنة بين احترام دولة القانون وضمان الأمن العام، مضيفا أن إنهاء العقوبة يعني قانونيًا استعادة الفرد لحقوقه، لكن ذلك لا يلغي الحاجة إلى آليات متابعة دقيقة.
واعتبر الباحث السياسي الفرنسي، أن تقييم الخطورة يجب أن يكون ديناميكيًا ومتجددًا، لا قائمًا فقط على سلوك السجين داخل المؤسسة العقابية، بل أيضًا على تحليلات استخباراتية وسياقية أوسع.
كما لفت إلى أن تصاعد نسبة المفرج عنهم المتورطين في أعمال عنف مباشرة يعكس تحولًا نوعيًا في طبيعة التهديد، ما يستدعي إعادة التفكير في أدوات الوقاية والرصد.
قبل أن يضيف: "المرحلة المقبلة ستكون حاسمة، لأن خروج المحكومين في القضايا الأثقل سيختبر فعالية المنظومة الفرنسية في منع تكرار الاعتداءات، دون الإخلال بمبادئ العدالة وسيادة القانون".