تصاعد تهديد المسيرات في أوروبا.. فرنسا تطلق سباق الدفاع المضاد
في ظل الارتفاع المتسارع للتهديدات المرتبطة بالطائرات المسيّرة في أوروبا، تتجه فرنسا إلى تحويل مكافحتها لصناعة استراتيجية واسعة النطاق.
وبينما تعمل الحكومة الفرنسية على تعديل القوانين لتعزيز حماية المواقع الحساسة، تستعد شركات الدفاع والتكنولوجيا لمرحلة جديدة قد تشهد انفجارًا في سوق أنظمة الدفاع المضاد للطائرات بدون طيار "درونز".
وقالت صحيفة "لوموند" الفرنسية إن تزايد حوادث التحليق غير المصرح به فوق المنشآت العسكرية والصناعية في أوروبا، خصوصًا منذ عام 2025، دفع باريس وشركاءها الأوروبيين إلى إعادة النظر في منظومات الأمن الجوي القصير المدى، والانتقال من الحلول المحدودة إلى نشر أنظمة دفاعية على نطاق صناعي واسع.
تصاعد الحوادث في أوروبا
بحسب التقرير، كشفت الجيش السويدي بعد فحص طائرة مسيّرة تم تحييدها في 25 فبراير/شباط الماضي قرب حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول، التي كانت راسية في مدينة مالمو، أن الطائرة من أصل روسي.
ورغم نفي موسكو أي تورط في الحادث، فإن هذه الواقعة تُعد المرة الأولى التي يُنسب فيها تحليق غير قانوني لطائرة مسيّرة بشكل مباشر إلى روسيا، بعد سلسلة من الحوادث المشابهة التي أثارت شكوكًا واسعة خلال الأشهر الماضية.
ومنذ منتصف عام 2025، تم تسجيل نحو أربعين حادثة اختراق جوي بطائرات مسيّرة في أوروبا، شملت عدة دول من بينها فرنسا.
ويرى خبراء الأمن أن هذا التصاعد يعكس تحولًا في طبيعة التوتر بين روسيا والدول الأوروبية، حيث باتت الطائرات المسيّرة تُستخدم كأداة للاستطلاع أو الضغط الاستراتيجي دون الوصول إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
منشآت تحت المراقبة
وفي فرنسا تحديدًا، تكررت الحوادث التي استهدفت مواقع حساسة خلال عام 2025.
ففي 21 سبتمبر/أيلول و2 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، تم رصد طائرات مسيّرة تحلق فوق المعسكر العسكري في مورملون لو غراند شمال شرق فرنسا.
وفي 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، تعرض مصنع بيرجيراك التابع لشركة Eurenco المتخصصة في إنتاج البارود والمواد المتفجرة العسكرية لتحليق طائرة مسيّرة فوقه.
أما في 4 ديسمبر/كانون الأول 2025، فقد تم رصد خمسة مسيرات تحلق فوق قاعدة إيل لونغ في إقليم فينيستير، وهي القاعدة التي تستضيف الغواصات النووية الفرنسية المسلحة بالصواريخ الباليستية، وهي أحد أهم مكونات الردع النووي الفرنسي.
ولا تقتصر المشكلة على فرنسا فقط، إذ شهدت عدة مطارات أوروبية حوادث مشابهة. فقد تعطل العمل مؤقتًا في مطارات برلين وأمستردام وبروكسل في نهاية عام 2025 بسبب تحليق طائرات مسيّرة بالقرب من المدارج، ما أدى إلى اضطراب حركة الطيران.
تحول إلى صناعة دفاعية كاملة
أمام هذا التصاعد في التهديدات، بدأت فرنسا تسريع تطوير أنظمة متقدمة لمكافحة الطائرات المسيّرة.
ومن بين هذه الأنظمة نظام "براد" الذي طورته شركة تاليس الفرنسية، والذي يجمع بين تقنيات الرادار والتشويش الإلكتروني وأجهزة الاستشعار لتعقب الطائرات الصغيرة واعتراضها.
وقد قدمت شركة "تاليس" هذا النظام خلال عرض تقني في بريتينيا-سور-أورج قرب باريس في مايو 2025، حيث أوضحت أن النظام قادر على اكتشاف الطائرات المسيّرة الصغيرة وتحديد موقعها بدقة قبل تعطيلها إلكترونيًا أو إسقاطها.
ومع تزايد الطلب، تستعد الشركات الدفاعية الفرنسية والأوروبية لزيادة الإنتاج وتطوير تقنيات جديدة، ما يشير إلى تحول مكافحة المسيرات إلى قطاع صناعي متكامل يشمل البرمجيات والذكاء الاصطناعي والرادارات وأسلحة التشويش.
تعديل قوانين
وفي موازاة التطوير الصناعي، تعمل الحكومة الفرنسية على تعديل الإطار القانوني لتعزيز حماية المواقع الاستراتيجية، مثل القواعد العسكرية ومحطات الطاقة والمطارات والمرافق الصناعية الحساسة.
وتهدف هذه التعديلات إلى تسهيل نشر أنظمة التشويش والرصد حول المنشآت الحيوية ومنح السلطات صلاحيات أوسع لاعتراض الطائرات المسيّرة المشتبه بها.
كما تسعى باريس إلى تعزيز التعاون الأوروبي في هذا المجال، نظرًا لأن التهديدات المرتبطة بالطائرات المسيّرة تتجاوز الحدود الوطنية بسهولة.
سوق بمليارات الدولارات
ويرى خبراء الدفاع أن سوق أنظمة مكافحة الطائرات المسيرة قد يشهد نموًا كبيرًا خلال السنوات المقبلة، مدفوعًا بزيادة استخدامها في الحروب الحديثة، كما ظهر بوضوح في الحرب في أوكرانيا.
فقد أصبحت الطائرات المسيرة أداة منخفضة التكلفة لكنها عالية التأثير في العمليات العسكرية، سواء للاستطلاع أو الهجوم أو التشويش.
ولهذا السبب، تتوقع الشركات الدفاعية أن يتحول هذا القطاع إلى أحد أسرع أسواق الصناعات العسكرية نموًا في أوروبا والعالم خلال العقد القادم.