خبير: التحقيق الفرنسي مع «إكس» يستهدف حماية القاصرين والمحتوى الرقمي
نفذت السلطات القضائية الفرنسية عملية تفتيش داخل المقرات الفرنسية لمنصة «إكس»، المملوكة لإيلون ماسك، في إطار تحقيق يطول إدارة المنصة وخوارزمياتها، وما إذا كانت تنتهك القوانين المتعلقة بحماية القاصرين والمحتوى الرقمي.
وتأتي هذه العملية ضمن متابعة متواصلة من السلطات الأوروبية للمنصات الرقمية الكبرى، مع التركيز على تحقيق توازن دقيق بين حرية الابتكار الرقمي من جهة، وحماية الأمن العام ونزاهة المجال الرقمي من جهة أخرى.
وتثير القضية اهتمامًا واسعًا، إذ تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة القضاء على تنظيم عمل المنصات العابرة للحدود ومساءلة كبار المسؤولين فيها.
ويعني التحقيق الحر في النظام القضائي الفرنسي استدعاء شخص للاستجواب من قبل النيابة العامة أو السلطات القضائية دون أن يكون محتجزًا أو خاضعًا للاعتقال.
من جانبه، قال الباحث الاقتصادي الفرنسي فرانسوا بورجوينون، أستاذ الاقتصاد والخبير في التنمية الاقتصادية وعدم المساواة، والباحث في معهد الدراسات السياسية، في تصريح لـ«العين الإخبارية»، إن هذه القضية تتجاوز الإطار القضائي البحت لتلامس جوهر تنظيم الرأسمالية الرقمية في القرن الحادي والعشرين.
وأكد بورجوينون أن المنصات الكبرى، ومنها منصة «إكس»، لم تعد مجرد شركات تكنولوجية، بل تحولت إلى بنى تحتية رقمية تؤثر في الرأي العام، والأسواق، وحتى في الديمقراطية ذاتها.
وأشار إلى أن تركيز السلطة الاقتصادية والبيانية في يد فاعلين أفراد، مثل إيلون ماسك، يخلق اختلالًا بنيويًا، حيث تتقدم اعتبارات الربح والخوارزميات على حساب المصلحة العامة.
ووفقًا للخبير الاقتصادي الفرنسي، فإن تدخل القضاء الفرنسي يمثل محاولة لإعادة التوازن بين حرية الابتكار والمسؤولية الاجتماعية.
وأضاف أن البعد الاقتصادي لا ينفصل عن الأمن الرقمي، إذ إن ضعف ضبط المحتوى أو التلاعب بالخوارزميات قد يؤدي إلى تكاليف اقتصادية غير مباشرة، مثل زعزعة الثقة العامة، وتنامي الاستقطاب، وارتفاع كلفة التنظيم لاحقًا على الدول والمجتمعات.
واعتبر بورجوينون أن هذه القضية قد تشكل سابقة أوروبية مهمة، تدفع نحو نموذج أكثر صرامة في حوكمة المنصات الرقمية، بحيث لا تُترك القوة الاقتصادية والتكنولوجية دون محاسبة، بل تُدرج ضمن إطار قانوني يوازن بين حرية التعبير، وحماية الأفراد، واستقرار المجال العام.
وأعلن الادعاء العام في باريس، الثلاثاء، أن السلطات القضائية نفذت عملية تفتيش داخل المقرات الفرنسية لمنصة «إكس»، المملوكة للملياردير الأمريكي إيلون ماسك، وذلك في إطار تحقيق تقوده شعبة مكافحة الجرائم الإلكترونية التابعة للنيابة العامة في باريس.
وأوضح الادعاء أن التفتيش جرى بمشاركة الوحدة الوطنية للأمن السيبراني التابعة للدرك الفرنسي، وبالتعاون مع وكالة «يوروبول»، ضمن تحقيق فُتح في يناير/كانون الثاني 2025، مشيرًا إلى أنه لن ينشر بعد الآن بياناته عبر منصة «إكس».
وبالتوازي، أفادت النيابة العامة بأنها وجهت استدعاءات رسمية إلى إيلون ماسك، مالك المنصة، وإلى ليندا ياكارينو، المديرة التنفيذية السابقة للمجموعة، بصفتهما «مديرين فعليين وقانونيين للمنصة وقت الوقائع».
ويعتزم القضاة الاستماع إليهما في إطار تحقيق حر في باريس يوم 20 أبريل/نيسان 2026، كما جرى استدعاء عدد من موظفي الشركة للاستماع إليهم بصفتهم شهودًا خلال الفترة ما بين 20 و24 أبريل/نيسان.
وكان الادعاء العام قد فتح التحقيق عقب بلاغ تقدم به النائب الفرنسي إريك بوثورييل في 12 يناير/كانون الثاني 2025.
وفي رسالة كُشف عنها في فبراير/شباط من العام نفسه، أعرب البرلماني عن «قلقه الشديد إزاء التغييرات الأخيرة في خوارزميات المنصة، وكذلك التدخلات الواضحة في إدارتها منذ استحواذ إيلون ماسك عليها».
كما قُدم بلاغ ثانٍ مماثل من قبل مسؤول في الأمن السيبراني يعمل في القطاع العام، ندد فيه بتغييرات في خوارزميات «إكس» أدت إلى «فرط تمثيل محتويات سياسية مقيتة»، وفق تعبيره.
التحقيق، الذي فُتح بتهم تتعلق بإدارة منصة إلكترونية غير مشروعة ضمن إطار منظم، والاستخراج الاحتيالي للبيانات، والتلاعب في عمل نظام معالجة آلية للبيانات، توسع تدريجيًا مع ظهور معطيات جديدة.
وتحقق الشعبة المتخصصة (G3) في النيابة العامة بباريس، منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2025، في وقائع تتعلق بـ«التواطؤ في حيازة صور لقاصرين ذات طابع إباحي»، و«التواطؤ في نشر أو إتاحة هذه المحتويات ضمن إطار منظم».
وتبين للنيابة أن تغيير أداة رصد المحتويات الإباحية الخاصة بالأطفال في عام 2025 أدى إلى «انخفاض كبير في عدد البلاغات التي كانت منصة إكس تقدمها» بشأن هذا النوع من الصور.
ووفق النيابة، سُجل بين يونيو/حزيران وأكتوبر/تشرين الأول 2025 انخفاض بنسبة 81.4% في البلاغات المتعلقة بفرنسا التي أرسلتها منصة «إكس» إلى المركز الوطني الأمريكي للأطفال المفقودين والمستغلين في قضايا الاستغلال الجنسي للأطفال.
وفي يناير/كانون الثاني الماضي، اشتكى عدد كبير من المستخدمين من نشر حساب «غروك»، وهو أداة ذكاء اصطناعي متاحة لجميع مستخدمي المنصة، صورًا مزيفة عارية جرى توليدها دون موافقة الأشخاص المعنيين، وغالبيتهم من النساء.
وأظهر تقرير لمنظمة «إيه آي فورينسيس» غير الحكومية، نُشر مطلع يناير، بعد تحليل 20 ألف صورة أنشأها «جروك» بين 25 ديسمبر/كانون الأول 2025 و1 يناير/كانون الثاني، أن أكثر من نصفها يصور أشخاصًا بملابس شبه عارية، وبعضها يُظهر أشخاصًا بملامح قاصرين، ما قد يندرج ضمن مواد إباحية للأطفال.
وفيما يخص نشر صور عارية لأشخاص دون موافقتهم، فُتح تحقيق منفصل بتهمة المساس بصورة الشخص.
كما يتناول التحقيق وقائع تتعلق بـ«إنكار جرائم ضد الإنسانية»، عقب نشر تصريحات إنكارية عبر حساب «جروك» على المنصة، في حين لم ترد منصة «إكس» على استفسارات صحيفة «لوموند» حتى وقت النشر.