خبير فرنسي: القواعد البيئية في أوروبا سبقت جاهزية السوق وأربكت شركات السيارات
أكد خبير فرنسي متخصص في قطاع السيارات، أن تشديد القواعد البيئية في أوروبا سبق جاهزية السوق، حيث وجد مصنعو السيارات النفعية أنفسهم بين طلب ضعيف والتزامات تنظيمية صارمة، ما حول التحول الأخضر في القارة من فرصة إلى عبء مالي.
وقال إريك شامبرنود، الخبير الاقتصادي الفرنسي المتخصص في صناعة وتجارة السيارات، والباحث في معهد الاقتصاد والمحركات بباريس، في حديثه مع «العين الإخبارية»: إن المشكلة لا تتعلق بالتكنولوجيا، بل بفجوة اقتصادية وبنية تحتية غير مكتملة، محذرا من أن الغرامات قد تهدد ربحية القطاع وتنافسية الصناعة الأوروبية على المدى المتوسط والطويل الأجل.
بين تشدد القواعد البيئية الأوروبية وتباطؤ الطلب على المركبات الكهربائية، يجد عملاقا صناعة السيارات رينو وستيلانتيس نفسيهما أمام معضلة حقيقية في قطاع المركبات النفعية.
وقالت صحيفة «ليزيكو» الاقتصادية الفرنسية إن التأخر الكبير في تحقيق أهداف «التحول الأخضر» التي فرضتها بروكسل لا يهدد فقط استراتيجيات الشركتين الصناعية، بل يضع نتائجهما المالية تحت ضغط متزايد، مع شبح غرامات باهظة قد تتحول إلى عبء ثقيل في السنوات المقبلة.
وأشارت الصحيفة الفرنسية إلى أن تأخر شركتي رينو وستيلانتيس عن تحقيق أهداف خفض الانبعاثات التي حددها الاتحاد الأوروبي في قطاع المركبات النفعية يُعد تأخرًا كبيرًا، ما يثير مخاوف حقيقية من فرض غرامات مالية ثقيلة عليهما.
وقد بدأت رينو بالفعل في تكوين مخصصات مالية تحسبًا لذلك، فيما قد تحذو ستيلانتيس حذوها قريبًا.
ولا تزال مبيعات المركبات النفعية الكهربائية بعيدة عن تحقيق الإقلاع المنشود في أوروبا، وهو ما يثير قلقًا بالغًا لدى رينو، التي تراهن بشكل خاص على طراز «ماستر» بنسخته الكهربائية، وكذلك لدى ستيلانتيس.
وقبل أسابيع قليلة، تراجعت المفوضية الأوروبية عن هدف الانتقال إلى سيارات كهربائية بنسبة 100% بحلول عام 2035، غير أن هذا التنازل لم يكن كافيًا بالنسبة إلى رينو وستيلانتيس.
فعلى المدى القصير والمتوسط، لا تزال الشركتان مُلزمتين بزيادة مبيعات المركبات النفعية الكهربائية بالكامل، في وقت لا يواكب فيه الطلب هذه الطموحات، ما يجعلهما عرضة لغرامات مالية كبيرة بدأت بالفعل تؤثر على نتائجهما.
وبحسب الصحيفة الفرنسية، قامت رينو بتسجيل مخصص مالي قدره 98 مليون يورو في حساباتها خلال النصف الأول من عام 2025، تحسبًا للعقوبات المحتملة نتيجة عدم الامتثال لعدد من التشريعات الوطنية المتعلقة بانبعاثات ثاني أكسيد الكربون.
وتؤكد مصادر داخل الشركة أن الجزء الأكبر من هذا المبلغ مرتبط بسوق المركبات النفعية في أوروبا. كما رجّحت المصادر نفسها تسجيل مخصص إضافي خلال النصف الثاني من العام للأسباب ذاتها، دون تحديد قيمته المحتملة.
من جانبه، قال إريك شامبرنود: «إن ما يحدث في قطاع المركبات النفعية يكشف التناقض العميق بين الطموحات البيئية الأوروبية والواقع الاقتصادي للسوق».
وأوضح أن الشركات والمهن الصغيرة، وهي الزبون الرئيسي لهذا النوع من المركبات، لا تزال تعتبر المركبات الكهربائية مكلفة، محدودة الاستعمال، وغير ملائمة دائمًا لاحتياجاتها اليومية.
وأشار شامبرنود إلى أن رينو وستيلانتيس ليستا متأخرتين تقنيًا بقدر ما هما عالقتان في فجوة الطلب.
ورأى أن المشكلة اليوم لا تكمن في العرض، بل في غياب حوافز اقتصادية كافية للمستهلكين، إضافة إلى بنية تحتية غير مكتملة.
ووفقًا للخبير الاقتصادي الفرنسي، فإنه إذا لم تُعدّل بروكسل مقاربتها أو تُسرّع دعم الطلب، فإن الغرامات ستتحول إلى عبء مالي مزمن يهدد ربحية هذا القطاع بأكمله.
وأشار شامبرنود إلى أن تداعيات هذه الإشكالية لا تقتصر على الغرامات المحتملة فحسب، بل تمتد إلى صلب النموذج الاقتصادي لقطاع المركبات النفعية في أوروبا، موضحًا أن القطاع يعتمد تقليديًا على هوامش ربح محدودة، وحجم مبيعات مرتفع، واستقرار في الطلب من قبل الحرفيين والشركات الصغيرة والمتوسطة.
وأوضح أن الانتقال القسري نحو الكهرباء يخلّ بهذا التوازن، إذ يفرض استثمارات صناعية ضخمة وتكاليف إنتاج أعلى، في مقابل سوق لم ينضج بعد لاستيعاب هذه التحولات.
ولفت شامبرنود إلى أن استمرار ضعف الطلب يضع المصنعين أمام خيارين كلاهما مكلف: إما خفض أسعار المركبات الكهربائية على حساب الهوامش والربحية، أو الإبقاء على الأسعار الحالية مع تحمّل الغرامات التنظيمية.
وأكد أنه في الحالتين، تتعرض القدرة التنافسية الأوروبية لضغوط إضافية، لا سيما في مواجهة منافسين آسيويين أكثر تقدمًا في سلاسل توريد البطاريات وأكثر مرونة في التسعير.
وشدد الخبير الفرنسي في شؤون السيارات على أن أزمة المركبات النفعية قد تتحول إلى اختبار حقيقي لسياسات الاتحاد الأوروبي الصناعية والبيئية، إذ بات واضحًا أن تحقيق الأهداف المناخية دون مواءمة اقتصادية تدريجية قد يؤدي إلى إضعاف كبار المصنعين الأوروبيين بدل تحفيزهم.