الذكاء الاصطناعي يحدد شكل النظام الاقتصادي العالمي.. سباق نحو القوة والسيطرة
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تكنولوجية، بل أصبح عنصرا اقتصاديا حاسما في تشكيل النظام العالمي الجديد.
وفي مقاله التحليلي بعنوان “الجيوسياسي في عهد الذكاء الاصطناعي”، يناقش الدبلوماسي الأمريكي جيك سوليفان مع الكاتب تال فيلدمان التداعيات الاقتصادية العميقة للذكاء الاصطناعي وكيف سيعيد تشكيل العلاقات الاقتصادية والنظام العالمي في المستقبل القريب.
وفي التحليل الذي نشرته مجلة فورين أفيرز، يرى سوليفان أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية لتعزيز الإنتاجية داخل الشركات، بل أصبح رافدا جديدا للسلطة الاقتصادية والسياسية للدول.
ومن هذا المنطلق، أصبح السباق نحو الهيمنة على هذه التكنولوجيا محورًا مركزيًا في المنافسة الدولية، ليس فقط للتقدم التقني، بل للسيطرة على القطاعات الحيوية التي ستحدد أرباح المستقبل وتوجه رؤوس الأموال العالمية.
ومن أبرز النتائج الاقتصادية لهذا التحول أن الدول المتفوّقة في تطوير ونشر الذكاء الاصطناعي ستحظى بقدرة أكبر على تحفيز النمو الاقتصادي المحلي وتصدير منتجاتها التقنية، ما يعزز ميزانها التجاري ويزيد من قوتها في الأسواق العالمية.
وهذا يشبه إلى حد كبير ما حدث في القرن العشرين مع الثورة الصناعية، لكن مع وتيرة أسرع وأسُس رقمية تعتمد على البيانات والقدرة على تحليلها لجذب الاستثمارات وإعادة توزيع رؤوس الأموال.
أما التحول الاقتصادي الآخر، فيتعلق بتأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل. تشير الدراسات إلى أن الأتمتة وتحليلات البيانات المتقدمة ستغيّر بنية العمالة، ما قد يؤدي إلى ارتفاع الإنتاجية بشكل كبير، لكنه قد يضغط على الأجور ويخلق فجوات جديدة في سوق العمل. وهذا يدفع صانعي السياسات لإعادة التفكير في التعليم والتدريب المهني، إضافة إلى تحديث شبكات الأمان الاجتماعي.
وعلى الصعيد الدولي، يشدّد التحليل على أن الذكاء الاصطناعي سيُستخدم كأداة للجذب الاقتصادي والسيطرة على الأسواق الاستراتيجية. فالدول التي تستثمر أكثر في هذه التكنولوجيا لا تضمن فقط مكاسب فنية، بل أيضًا مكاسب اقتصادية ضخمة من خلال التحكم في سلاسل الإمداد، البيانات الضخمة، والبرمجيات الأساسية التي تعتمد عليها قطاعات كاملة من الصناعة إلى الخدمات المالية.
هذا السباق لإحكام السيطرة الاقتصادية عبر الذكاء الاصطناعي جعله عاملًا مركزيًا في إعادة توزيع القوى الاقتصادية الكبرى. فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، تعد من أهم مراكز تطوير الذكاء الاصطناعي عالميًا، بفضل بيئة الابتكار القوية والبنية التحتية الاستثمارية الفاعلة، ما يمنحها ميزة تنافسية في الأسواق المستقبلية.
لكن هذا السباق لا يخلو من المخاطر الاقتصادية. فالحواجز التجارية، القيود على تصدير التكنولوجيا، وسياسات حماية الملكية الفكرية قد تزيد من انقسام الأسواق العالمية وتقوض التعاون التجاري بين الدول، مما قد يبطئ النمو الاقتصادي ويعمّق الانقسامات بين الاقتصادات المتقدمة والنامية.
ويخلص التحليل إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تكنولوجية، بل عنصرًا اقتصاديًا حاسمًا في رسم مستقبل النظام العالمي. الدول التي ستتمكن من دمجه بفعالية في استراتيجياتها الوطنية ليست فقط التي ستقود الثورة التكنولوجية، بل أيضًا التي ستسيطر على اقتصاديات القرن الحادي والعشرين بأكمله.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuODQg جزيرة ام اند امز