الردع النووي الأمريكي بين شيخوخة صواريخ «مينيوتمان» وتعثر البدائل
بين طموح الردع النووي وحدود الواقع المالي، يقف برنامج صاروخ «إل جي إم-35 سنتينل» في قلب معضلة استراتيجية أمريكية نادرة.
فالصاروخ الذي صُمم ليكون عنوانًا لانتقال نوعي في قوة الردع، تحول إلى اختبار لقدرة «البنتاغون» على إدارة برامج التسليح العملاقة في عصر المنافسة الكبرى مع الصين وروسيا.
ومع غياب جدول زمني واضح، تجد القوات الجوية الأمريكية نفسها مضطرة إلى الرهان على صواريخ «مينيوتمان 3»، العائدة إلى سبعينيات القرن الماضي، كحل اضطراري لسد فجوة استراتيجية آخذة في الاتساع.
الخيار الوحيد
هذا الأمر أكده قائد قيادة الضربات العالمية التابعة للقوات الجوية الأمريكية، الجنرال ستيفن ديفيس، الذي قال إن الوضع الحالي يفرض على القوات الجوية تمديد عمر خدمة صواريخ «إل جي إم-30 مينيوتمان 3»، التي تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، باعتبارها الخيار الوحيد المتاح للحفاظ على المكون البري من الثالوث النووي، بحسب صحيفة «مليتري ووتش».
وشدد على أن «سنتينل» يُعد من أكبر البرامج التي تنفذها وزارة الدفاع الأمريكية حاليًا، وأهم مشروع تحديث في تاريخ القوات الجوية، ما يستوجب الحفاظ على القدرات الحالية إلى أن يصبح الصاروخ الجديد جاهزًا للعمل التشغيلي.

وكانت القوات الجوية قد منحت شركة نورثروب غرومان في عام 2020 عقد تطوير بقيمة 13.3 مليار دولار لاستبدال أكثر من 400 صاروخ من طراز مينيوتمان 3، ضمن برنامج قُدّرت تكلفته الإجمالية مبدئيًا بنحو 100 مليار دولار.
غير أن اتساع المتطلبات الهندسية والتقنية أدى إلى زيادة هائلة في التكاليف، لتتجاوز 130 مليار دولار بحلول أوائل عام 2024، وهو ما استدعى تفعيل قانون نان–مكوردي وإخضاع البرنامج لمراجعة إلزامية من الكونغرس.
وفي يوليو/تموز 2025، أعلن «البنتاغون» أن التكلفة الإجمالية وصلت إلى 160 مليار دولار، قبل أن تُخفّض إلى نحو 140 مليار دولار بعد إعادة الهيكلة، أي بزيادة تفوق 80 في المائة مقارنة بالتقدير الأصلي البالغ 77.7 مليار دولار.
تصاعد التكاليف
وتُعدّ مسألة البنية التحتية أحد أبرز أسباب هذا التصاعد في التكاليف، إذ تبيّن أن برنامج سنتينل غير قادر على إعادة استخدام صوامع الإطلاق الحالية الخاصة بصواريخ مينيوتمان 3، ما يستلزم بناء صوامع جديدة بالكامل.
وقد درست القوات الجوية بدائل غير تقليدية للنشر، من بينها مواقع في قيعان البحيرات أو داخل أنفاق، إلا أن هذه الخيارات رُفضت في نهاية المطاف لأسباب تشغيلية ومالية.
وفي خضم الجدل المتزايد حول البرنامج، أُعفي العقيد تشارلز كليغ في يونيو/حزيران 2024 من منصبه مديرًا لبرنامج سنتينل، على خلفية ما وصفته القوات الجوية بـ«فقدان الثقة» و«عدم الالتزام بالإجراءات التنظيمية».
وجاءت الإقالة في وقت أعربت فيه لجنة الاعتمادات في مجلس النواب عن “صدمة” إزاء القفزات الكبيرة في التكاليف، في حين أسهم استمرار إعادة الهيكلة في تعميق حالة عدم اليقين بشأن الجدول الزمني لاختبارات الطيران.
وأكد مسؤول في القوات الجوية، في يونيو/حزيران 2025، أن موعد أول رحلة اختبارية للصاروخ، التي كانت مقررة سابقًا في عام 2026، لم يعد محددًا.
وكانت هذه الرحلة قد خُطط لها في الأصل خلال الفترة 2023–2024، قبل أن تُؤجل لأكثر من عامين. وسبق لمكتب محاسبة الحكومة أن قدّر موعد أول اختبار طيران في مارس/آذار 2028، ما كان يعني تأخيرًا بنحو أربع سنوات عن الجدول الأصلي، غير أن هذا التاريخ بات يُنظر إليه الآن على أنه غير واقعي.
ضغوط متزايدة
وتأتي هذه التعقيدات في وقت تواجه فيه القوات الجوية الأمريكية ضغوطًا متزايدة على ميزانيتها، في ظل التزامات متزامنة تشمل تطوير قاذفات استراتيجية جديدة، والاستمرار في شراء وصيانة مقاتلات إف-35 إيه، والعمل على مقاتلة الجيل السادس إف-47، إلى جانب تطوير نظام إنذار مبكر وتحكم محمول جوًا، وطائرات تزويد بالوقود أكثر قدرة على البقاء في بيئات القتال عالية الخطورة.
وفي هذا السياق، حذر مكتب محاسبة الحكومة، في تقرير صدر في سبتمبر/أيلول 2025، من أن التأخيرات وتجاوزات التكاليف قد تدفع القوات الجوية إلى خيار أقصى يتمثل في تمديد عمر خدمة صاروخ مينيوتمان 3 حتى عام 2050.
ويُعدّ مينيوتمان 3 أقدم منظومة صواريخ باليستية عابرة للقارات لا تزال في الخدمة على مستوى العالم، بفارق زمني كبير عن نظيراتها، في وقت تواصل فيه كل من الصين وروسيا وكوريا الشمالية تحديث ترساناتها بوتيرة متسارعة.
وقد دمجت بكين وموسكو مركبات انزلاقية فرط صوتية قادرة على تنفيذ ضربات عابرة للقارات، بينما أقدم الجيش الكوري الشمالي على خطوات مماثلة في فئة الصواريخ متوسطة المدى خلال عام 2024.
وقد بلغت صواريخ مينيوتمان 3، التي دخلت الخدمة عام 1970، الحد الأقصى لإمكانيات تمديد عمرها الافتراضي، بعدما تجاوزت عمرها التصميمي الأصلي بعقود
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTQg
جزيرة ام اند امز