مؤتمر «مستقبل القيادة الذاتية» في أبوظبي يرسم ملامح التحول الذكي للصناعات والمدن
قدّم مؤتمر «مستقبل القيادة الذاتية»، الذي عُقد للمرة الأولى بالتعاون مع مركز النقل المتكامل «أبوظبي للتنقل»، ضمن فعاليات معرضي «يومكس» و«سيمتكس»، مجموعة من الرؤى المتعمقة حول التطبيقات التجارية والمدنية لتقنيات القيادة الذاتية.
وفقا لوكالة أنباء الإمارات "وام" ركّزت جلسات المؤتمر، التي عُقدت تحت شعار «تحويل الصناعات من خلال القيادة الذاتية»، على رسالة موحّدة مفادها أن الابتكار الحقيقي ينمو عندما تمتزج التكنولوجيا المتقدمة مع حوكمة واضحة، وأنظمة بيئية متكاملة، وأولوية قصوى للسلامة.
وشكّلت فعاليات المؤتمر منصة تفاعلية جمعت قادة الصناعة وخبراء التكنولوجيا لتبادل الأفكار والمشاركة في نقاشات ثرية حول مستقبل القيادة الذاتية في القطاعات التجارية والمدنية، بدءًا من إدارة المدن، مرورًا بقطاع النقل والخدمات اللوجستية، وصولًا إلى المرافق والتفتيش وإدارة النفايات، وذلك من خلال برنامج متكامل شمل حلقات نقاش وورش عمل تطبيقية قدّمت محتوى عمليًا يعكس أحدث التطورات في هذا المجال.
وناقشت جلسة «الأنظمة ذاتية القيادة واقتصاد المدن الذكية» الإمكانات الواسعة للتقنيات غير المأهولة والمركبات ذاتية القيادة في تعزيز كفاءة وسلامة واستدامة أنظمة النقل العامة والخاصة، وتسريع تحوّل المدن نحو نماذج أكثر ذكاءً واستدامة.
وشهدت الجلسة مشاركة نخبة من قادة الفكر وخبراء التكنولوجيا، من بينهم جيسون لي، نائب الرئيس لإدارة محفظة التنقل في شركة «سبيس 42»، وإياد عبد الله، رئيس قسم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في مدينة مصدر، إضافة إلى ستيفان تيمبانو، الرئيس التنفيذي لشركتي «إسباير» وسباق الطائرات المسيّرة (A2RL)، فيما أدار الحوار الدكتور محمد جامع محمد، مدير النقل في شركة «WSP».
وأكد تيمبانو التأثير الاجتماعي والاقتصادي المباشر لقطاع النقل على حياة السكان وإدارة المدن، مشيرًا إلى أنه عندما لا يُدار النقل بكفاءة، ينعكس ذلك على تكلفة المعيشة وتكاليف تشغيل المدن، مضيفًا أن حلول التنقل ذاتي القيادة قادرة على تحسين جودة الحياة بشكل ملحوظ.
من جانبه، استعرض لي الفرص المتنامية التي تتيحها الأنظمة غير المأهولة في مختلف القطاعات، قائلًا: «ندخل عصرًا جديدًا من الابتكار مع توسّع حلول التنقل الذاتي»، لافتًا إلى الكفاءة العالية التي توفرها هذه الأنظمة في مجالات تشمل توصيل الطلبات، وعمليات التفتيش، ومراقبة البنية التحتية، إلى جانب تحسين مستويات السلامة وتقليل المخاطر التشغيلية.
وقدّم إياد عبد الله نموذج مدينة مصدر بوصفه مثالًا عمليًا متقدمًا لتطبيقات القيادة الذاتية في بيئة حضرية مستدامة، مستعرضًا مسيرة المدينة منذ إطلاق نظام النقل السريع الشخصي (PRT) عام 2010، الذي أسهم في خفض الانبعاثات الكربونية بنسبة 40%، وصولًا إلى اعتماد الجيل الرابع من الحافلات ذاتية القيادة مؤخرًا.
واتفق المشاركون في الجلسة على أن توسيع نطاق استخدام أنظمة القيادة الذاتية يعتمد على عدة عوامل رئيسية، أبرزها الجدوى الاقتصادية وثقة الجمهور، مؤكدين أن أبوظبي تمتلك مقومات ريادية تؤهلها لتحديد معايير عالمية للمدن ذاتية القيادة.
وأوضح تيمبانو أن أبوظبي تُعد اليوم من بين أفضل المدن عالميًا في اختبار أنظمة القيادة الذاتية، والأكبر في المنطقة، مشددًا على أهمية تعزيز الثقة العامة، والحصول على الشهادات التنظيمية اللازمة، وتطوير قابلية التشغيل البيني، ورفع مستويات الحماية السيبرانية، لضمان تطبيق هذه الأنظمة بأعلى درجات الأمان.
كما أكد الخبراء ضرورة تبني نظام شهادات موثوق، والاستثمار في البنية التحتية الداعمة، وتعزيز التعاون بين الجهات التنظيمية والقطاع الخاص، بما يضمن التوافق مع التطورات التكنولوجية والمعايير الدولية.
وفي ختام الجلسة، أجمع المشاركون على أن بناء ثقة الجمهور سيكون العامل الحاسم خلال السنوات الخمس المقبلة، مشبّهين المرحلة الراهنة ببدايات الطيران التجاري، ومؤكدين أن المستقبل يتجه نحو مدن يقل فيها الاعتماد على السيارات الخاصة، ويعتمد سكانها على منظومات نقل ذاتية القيادة آمنة، ونظيفة، وكفؤة، وبتكلفة معقولة.
واستعرضت جلسة «الطائرات غير المأهولة في تربية الأحياء المائية: تحويل عمليات تغذية الأسماك» الدور المتسارع للطائرات المسيّرة في تطوير قطاع الاستزراع المائي، وتأثيرها في تحسين كفاءة التشغيل وسلامة عمليات تغذية الأسماك.
وأوضح أولريش ويكس، الرئيس التنفيذي لشركة «إينان»، أن الأساليب التقليدية للتغذية كانت تعتمد على القوارب والطواقم والعمالة اليدوية، ما يجعلها عرضة للعوامل الجوية ومحدودية الوصول إلى الأقفاص البحرية، مؤكدًا أن اعتماد الطائرات غير المأهولة يمكّن المشغلين من الوصول السريع إلى مواقع التربية وتنفيذ عمليات تغذية أكثر دقة وفعالية.
وأضاف أن هذه التقنية تتجاوز مجرد رفع الكفاءة التشغيلية، إذ تُسهم في تحسين الإنتاجية الشاملة وتقليل الأثر البيئي للعمليات. وأشار، خلال حديثه عن المشروع التجريبي في جزيرة دلما، إلى أن العرض الميداني أوضح كيفية دمج الطائرات المسيّرة في دورة العمل اليومية بدلًا من التعامل معها كتجربة معزولة، مؤكدًا أن الهدف يتمثل في زيادة الكتلة الحيوية عبر تغذية منتظمة ودقيقة، مع تبني عمليات أكثر صداقة للبيئة.
فيما سلّط حمد الأنصاري، رئيس قسم الاستزراع المائي في هيئة البيئة – أبوظبي، الضوء على الدور الحيوي لكفاءة التغذية، مبينًا أن الأعلاف تشكّل ما بين 60% و70% من تكاليف التشغيل في الاستزراع المائي، واصفًا استخدام الطائرات المسيّرة بأنه «إنجاز مهم»، مع التأكيد على الحاجة إلى فترات اختبار أطول وبيانات مقارنة دقيقة لقياس الأداء مقابل التغذية اليدوية.
وأوضح الأنصاري إمكانية دمج الطائرات غير المأهولة مع تقنيات المراقبة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مثل الكاميرات تحت الماء وأجهزة استشعار جودة المياه، بما يتيح تطبيق التغذية التكيفية بناءً على الظروف الفعلية، مؤكدًا أن تقليل تعرّض العاملين لظروف البحر يمثل «إضافة قيّمة للغاية» لعمليات المستقبل في هذا القطاع.
وناقشت جلسة «عمليات الطائرات غير المأهولة التجارية: المتطلبات والإجراءات والتوعية» التطبيقات الحضرية للطائرات المسيّرة، ومدى جاهزية الأطر التنظيمية لاستيعاب هذا التوسع.
وأوضح توبيا فليتشر، الرئيس التنفيذي لشركة «تيار» لخدمات التنظيف، أن البنية التحتية والإجراءات التشغيلية اللازمة لاستخدام الطائرات غير المأهولة في الخدمات الحضرية بدأت تتشكّل بالفعل، مشيرًا إلى أن النظام البيئي يتجه نحو التكامل والتحول الرقمي القائم على الاستخدام.
وسلّط الضوء على نجاح استخدام الطائرات المسيّرة في تنظيف الواجهات، مؤكدًا أنها تقلل الحاجة إلى عمل الطواقم على ارتفاعات عالية، ما يخفّض مستويات المخاطر بشكل كبير، مضيفًا أن الخطط المستقبلية تشمل تطبيقات الاستجابة للطوارئ، مثل دعم عمليات مكافحة الحرائق.
وشدد على أن الطائرات المسيّرة يجب أن تُنظر إليها بوصفها امتدادًا للمنظومة الحالية، وليست بديلًا كاملًا لها.
وقدّمت موزة الصوافي، رئيسة قسم عمليات الطائرات غير المأهولة في مركز النقل المتكامل، عرضًا توضيحيًا حول الإطار التنظيمي الذي يمكّن هذه التطبيقات من العمل بأمان وكفاءة، مؤكدة ضرورة استيفاء المشغلين لشروط الترخيص والموافقات والجاهزية التشغيلية قبل بدء المهام، ومشيرة إلى أن المركز وضع إجراءات واضحة ويتواصل بشكل مباشر مع المشغلين التجاريين لدعم الامتثال وتسهيل العمليات.
وأكدت أن السلامة تبقى في صدارة الأولويات مع توسّع عمليات الطائرات المسيّرة، بالتوازي مع دعم الابتكار وتشجيع تطور القطاع.
وناقشت الجلسة الختامية للمؤتمر، «التقنيات الذكية والجديدة في إدارة السلامة المرورية: هندسة النظام الآمن»، آفاق القيادة الذاتية على نطاق واسع في منظومات النقل البري، مسلّطة الضوء على سبل تطوير منظومات تنقل أكثر أمانًا واستدامة.
وقدّم الدكتور لي شوتشن، نائب مدير مركز شينزن لتخطيط النقل الحضري في جمهورية الصين الشعبية، عرضًا حول تطبيقات القيادة الذاتية، شملت سيارات الأجرة الروبوتية، والحافلات ذاتية القيادة، وشاحنات النقل، ومركبات تنظيف الطرق، إلى جانب حلول التوصيل الذكية. وأكد أن نجاح هذه المنظومات لا يتحقق بالتقنية وحدها، بل من خلال اقترانها بسياسات واضحة، ولوائح فعّالة، وحوكمة رقمية متكاملة، موضحًا أن الأطر التنظيمية الحالية تغطي دورة حياة المركبات ذاتية القيادة بالكامل، من الاختبارات والترخيص إلى التأمين، والأمن السيبراني، وحماية البيانات.
وأشار إلى أن وجود منصة رقمية موحدة تربط الجهات التنظيمية والمشغلين وهيئات الاختبار يُعد ركيزة أساسية لضمان الانسيابية، إذ تتيح لجميع الأطراف التواصل عبر بوابة واحدة موحدة، ما يُلغي الإجراءات اليدوية المجزأة ويعزز الشفافية وسرعة إنجاز العمليات.
ومع اختتام فعاليات المؤتمر، برزت رؤية واضحة مفادها أن تقنيات القيادة الذاتية تُحدث تحولًا فعليًا في مختلف الصناعات، إلا أن نجاحها المستدام يبقى مرهونًا بتنظيم مدروس، وتعاون فعّال بين القطاعات، وبنية تحتية رقمية داعمة للتوسع الآمن والفعّال.