نتنياهو يستدرج ترامب لتحقيق أهدافه.. مصالح واشنطن في خطر

تنجر الولايات المتحدة بشكل أعمق إلى صراعات الشرق الأوسط التي تخدم مصالح إسرائيل على حساب المصالح الأمريكية.
في 25 مارس/آذار الجاري، أقرت الحكومة الإسرائيلية ميزانيتها لعام 2025 التي طال انتظارها وهو ما أنقذ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من إجراء انتخابات مبكرة في حال كان التصويت قد فشل وهي نتيجة يبدو نتنياهو عاجزًا سياسيًا عن تحملها.
ورغم أن إسرائيل أشارت إلى تعثر مفاوضات الأسرى والتهديدات الأمنية المستمرة كأسباب لإنهاء وقف إطلاق النار في غزة، إلا أن قرار نتنياهو باستئناف العمليات العسكرية قبل أيام قليلة من التصويت بدا أنه يهدف إلى حشد الدعم من شركاء الائتلاف اليمينيين المتطرفين مثل إيتمار بن غفير، لتمرير الميزانية، وفقا لما ذكره موقع "ريسبونسيبل ستايت كرافت".
وكان وزير المالية اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش قد صاع الميزانية صراحةً على أنها "ميزانية حرب"، وتتضمن مستويات قياسية من الإنفاق الدفاعي وزيادة هائلة في تمويل الدبلوماسية العامة الإسرائيلية، في إشارة إلى محاولة حكومة نتنياهو لمواجهة الإدانة الدولية المستمرة لحربها في غزة.
وألقت إسرائيل باللوم على تعنت حركة حماس الفلسطينية في انهيار محادثات وقف إطلاق النار وزعم المتحدث الإسرائيلي إيلون ليفي وآخرون، بمن فيهم ستيف ويتكوف مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الحركة رفضت التفاوض.
ومع ذلك، يظهر السجل تسلسلًا مختلفًا حيث طرحت إسرائيل شروطًا جديدة لم يتم الاتفاق عليها خلال المرحلة الثانية من المحادثات وطالبت بقبول أحادي الجانب وهو تحول قامت به إسرائيل دون تنسيق مع الوسطاء أو حماس، وبدا أن الإسرائيليون يرفضون الإطار الأصلي الذي وافقت عليه الحركة.
ورغم ذلك، أنهت إسرائيل وقف إطلاق النار من جانب واحد وشنت غارات جوية على غزة في 18 مارس/آذار الجاري، قتلت أكثر من 400 شخص في ليلة واحدة.
ولاحقا، أكد البيت الأبيض وجود مشاورات مسبقًا، مما أثار تساؤلات حول عمق التدخل الأمريكي وسط تساؤلات أخرى حول مدى مساهمة أجندة نتنياهو السياسية في تجدد الحرب.
وفي خطوة اعتُبرت على نطاق واسع محاولة استباقية للسيطرة على الأضرار، تحرك نتنياهو فجأة لإقالة رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) وبدء إجراءات عزل النائب العام، وهو ما وصفه منتقدوه بمحاولة لعرقلة التحقيقات.
وأثارت محاولة إقالة رئيس الشاباك والنائب العام احتجاجات حاشدة، وعاد أكثر من 100 ألف إسرائيلي إلى الشوارع لإدانة محاولاته تهرب نتنياهو من المساءلة.
ووفقًا لاستطلاعات الرأي الإسرائيلية، لو أُجريت انتخابات اليوم، فعلى الأرجح سيخسر نتنياهو، الأمر الذي يُجبره في النهاية على مواجهة اتهامات فساد واحتيال قائمة منذ فترة طويلة في حين تمنحه الحرب آليةً لتأجيل المساءلة القانونية والحفاظ على سيطرته على الخطاب الوطني.
السؤال الآن هو لماذا يُعطي ترامب الأولوية لبقاء نتنياهو السياسي على مصالح الولايات المتحدة؟
عندما ضغط ترامب على نتنياهو لقبول المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار لم يكن قد عاد بعد إلى البيت الأبيض، لكنه أظهر حينها نفوذ أمريكا على إسرائيل الذي رفض سلفه جو بايدن استخدامه مما كلف حزبه خسارة الانتخابات الرئاسية.
كما أعاد ترامب بذلك التأكيد على المصالح الوطنية الأمريكية، التي تتحقق على أفضل وجه من خلال تخفيف التوترات في الشرق الأوسط وتجنب الانجرار إلى حرب أخرى لا نهاية لها في المنطقة.
وبقدر ما ترغب الولايات المتحدة لإعطاء الأولوية للملاحة البحرية في البحر الأحمر فإن وقف إطلاق النار في غزة كان قد دفع الحوثيين إلى وقف هجماتهم على السفن وبالتالي كان بإمكان ترامب تقليص عملية "حارس الرخاء"، وهي مهمة بحرية تقودها الولايات المتحدة وتتكلف مليارات الدولارات وتتلقى دعمًا محدودًا من الدول الأكثر استفادة مباشرة من الشحن في البحر الأحمر.
مع وقف إطلاق النار في غزة، أثبت ترامب أنه سيعطي الأولوية للمصالح الأمريكية على مصالح نتنياهو لكن تلك اللحظة ولّت بمنحه الضوء الأخضر لرغبة إسرائيل في العودة للحرب وهو ما يعني السير على خطى بايدن الطائشة، وبالتالي السماح لمصالح نتنياهو السياسية بتعريض أفراد الجيش الأمريكي للخطر، ليس فقط في البحر الأحمر، بل ربما في جميع أنحاء المنطقة.
وتتجلى هذه المخاطر بشكل خاص في قرار ترامب الأخير بتصعيد الغارات الجوية على اليمن والتي وُصفت رسميًا بأنها ردٌّ على تهديدات الحوثيين للملاحة في البحر الأحمر لكنها جاءت رغم هدوء هجمات الحوثيين خلال الهدنة.
وكان الحوثيون قد أعلنوا عزمهم استهداف السفن الإسرائيلية في 11 مارس/آذار الجاري، ردًا على منع إسرائيل دخول أي مساعدات أو سلع إلى غزة منذ الثاني من الشهر ذاته في انتهاكٍ لشروط وقف إطلاق النار.
ويشير توقيت الغارات الأمريكية على اليمن إلى أن هدفها ليس حماية الأصول الأمريكية، بل دعم الحملة العسكرية الإسرائيلية الأوسع في المنطقة حيث يتم دفع القوات الأمريكية نحو وضعية حرب تعكس أهداف إسرائيل مباشرةً، بدلًا من تحقيق أهداف أمريكية محددة.
ويثير هذا التحول تساؤلات جوهرية حول اتجاه السياسة الخارجية الأمريكية، فعلى الرغم من التصريحات التي تلتزم بالانسحاب من الصراعات المكلفة والمفتوحة، تبدو إدارة ترامب أكثر انحيازًا لأجندة إقليمية مدفوعة بمصالح نتنياهو بدلًا من الانحياز الاستراتيجي الأمريكي.
وفي الوقت الذي تواجه فيه الولايات المتحدة موارد مفرطة وتحالفات متهالكة، فإن إخضاع الاستراتيجية الأمريكية لمناورات نتنياهو يُخاطر بترسيخ واشنطن في صراع إقليمي أوسع نطاقًا لكن مكاسبه محدودة.