في تقديري، ستكون جولة الثلاثاء بين أمريكا وإيران التي تستضيفها مدينة جنيف وهي الجولة الثانية للمفاوضات التي أعيد إحياؤها في العاصمة العمانية، مسقط، الأسبوع الماضي هي الجولة الحاسمة لسياسة الشد والجذب بينهما والممتدة لقرابة خمسة عقود.
سيناريو الحسم سيكون على النحو التالي. السيناريو الأول: يحمل ذكريات لقاء وزير الخارجية الأمريكي في عهد الرئيس بوش الأب عام 1991 جيمس بيكر الذي التقى طارق عزيز وزير خارجية نظام صدام حسين في جنيف لتحديد موقف النظام العراقي من الانسحاب من الكويت دون شروط.
وقتها كانت حاملات الطائرات الأمريكية محتشدة في المنطقة -كما هو الوضع حالياً- ولكن تقديرات النظام العراقي لم تكن موفقة لحالة السياق الدولي والإقليمي وقتها فكان الخيار العسكري هو الخيار الأمريكي.
السيناريو الثاني: وهو الذي يسعى إليه العقلاء في العالم بما فيهم البعض من إدارة الرئيس دونالد ترامب مثل ستيف ويتكوف رئيس الوفد الأمريكي ومعه صهر الرئيس دونالد ترامب، جاريد كوشنر، على عكس وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الذي يسعى للحل العسكري، رهان عقلاء العالم في أن يقدر النظام الإيراني الموقف الأمريكي ممثلاً في تقلبات مزاج الرئيس ترامب ومفاجأته، وفي وجود حكومة يمينية متطرفة في إسرائيل لا ترى حلاً مع إيران إلا بتدمير ترسانتها العسكرية.
وبالعودة إلى السيناريو الأول، فمع أن دول المنطقة في وقت بيكر وطارق عزيز كانت على قلق من حدوث "اتفاق" وتفاهم بين الطرفين ومن ضمن دول المنطقة في ذلك الوقت كانت إيران، ولكن تعنت طارق عزيز منح الفرصة التي كانت يتمناها معارضو الحل السلمي وأدت إلى كارثة، اليوم القلق من الاتفاق الأمريكي- الإيراني يتمثل ليس في دول التعاون الخليجي التي أبدت معارضتها للخيار العسكري؛ وإنما في إسرائيل التي زار رئيس حكومتها الولايات المتحدة بعد الجولة الأولى.
لهذا فرهان العقلاء كما هو في السيناريو الثاني يتمثل في أن يقدم الوفد الإيراني بعض التنازلات (وهو المرجح عندي) على الأقل فيما يخص البرنامج النووي وعملية التخصيب كإثبات حسن النية الإيرانية أما فيما يخص الصواريخ الباليستية والتمدد الإقليمي ربما خلال جولات أخرى.
الحالة الدبلوماسية النشطة بين دول مجلس التعاون الخليجي خلال جولتي مسقط وجنيف خاصة تلك التي قام بها أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني ونتج عنها زيارات خليجية-خليجية، وأخرى خليجية دولية تعطي إشارة باحتمال حصول اتفاق بين الطرفين ولكن هذا الاتفاق يعتمد بالشكل الأساسي على تقدير النظام الإيراني للموقف الأمريكي الذي يبدو هذه المرة جاداً في إنهاء دبلوماسية المماطلة الممتدة لأكثر من 47 عاماً، أو كما كان يسميها وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف بدبلوماسية "صانع السجاد" التي تعتمد بالدرجة الأولى على شراء الوقت من الجمهوريين لحين وصول الديمقراطيين في البيت الأبيض أو الكونغرس.
الحوار كما يبدو هو الخيار المفضل للطرفين الأمريكي والإيراني حسب تصريحات المسؤولين في البلدين وإن كانت الإدارة الأمريكية الحالية هي الأكثر رغبة في نظري لأن الرئيس ترامب يريد أن يحقق أهدافه دون استخدام القوة العسكرية ولكنه في الوقت نفسه يحاول أن يضبط إيقاع هذا الحوار والتفاوض غير النهائي من خلال الضغط العسكري وفق نظرية السلام باستخدام القوة ويبدو أنها سياسة ناجحة حتى الآن، إلا أنه في الوقت نفسه هناك شيئان لا بد من وضعهما في الحسبان، ففي حين يبدو لي أن حاملات الطائرات هذه المرة لن تعود إلى مقارها الأصلية في البحر الكاريبي دون أن تحقق أهدافها، هناك أيضاً مزاج الرئيس الأمريكي المتقلب وغير قابل للتوقع.
متغيرات كثيرة حدثت على أرض الواقع خلال العامين الأخيرين ليست في صالح إيران، فالحلفاء الذين كانت تعتمد عليهم لم يعودوا موجودين، وقواعد الصراع بينهما لم تعد موجودة منذ مايو/أيار الماضي عندما تم شن هجوم عسكري إسرائيلي-أمريكي على إيران، فالعالم كله ينتظر انتهاء الجولة الثانية ليعرف مسار العلاقة الأمريكية-الإيرانية.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة